من كتاب: تأملات بين طبقات النفس… ليست الجسد الذي يُرى، ولا الروح التي لا تُدرك. بل هي ما بينهما، الحذاء الذي تنتعله الروح لتسير في الجسد، الجسر الذي تعبر عليه الإرادة من الغيب إلى العادة، والمرآة التي تعكس صراع الأرض والسماء داخل الإنسان. خلق الله الإنسان من ثلاثة: جسدٍ من طين، وروحٍ من أمره، ونفسٍ هي الميدان بينهما. فالجسد معلوم، والروح مجهولة، أما النفس فهي منقوشة بالتجربة، تنطبع بما نُدخله إليها، وتتشكل بما نختاره.
قال الله تعالى: ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ﴾، ﴿ ولا أُقسم بالنفس اللوامة ﴾، ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ﴾. بهذه الآيات الثلاث ترتسم أمامنا خريطة النفس في القرآن: أمّارة، لوّامة، مطمئنة. النفس الأمّارة هي الدنيا فينا، التي تشتهي وتُبرر، تفتن وتُراوغ، وتُقنع صاحبها أن الخطأ جزء من الذكاء. تُغري بالمُتع وتُلبس الشهوة ثوب الضرورة، وتُجمّل الذنب حتى لا يُرى. وإن تُركت دون تهذيب، أصبحت أداة للخراب الداخلي، وأشدّ فتكًا من كل عدو خارجي.
أما النفس اللوامة، فهي الصوت الآخر في الداخل. ليست مثالية، لكنها يقظة. تسقط ثم تفيق، تضعف ثم تعاتب، تسهو ثم تبكي. هي وعيٌ مشتبك بالندم، لا يسمح لصاحبه أن يغفو على الخطيئة، بل يُقيم عليه الحُجة كلما حاول التناسي. هذه النفس هي الأمل، لأنها رغم الضعف لا تستسلم، ولأنها رغم السقوط، تعرف طريق العودة. وأما النفس المطمئنة، فهي السلام الكامل، السكون المضيء. لا تتعلق بالدنيا، ولا تكره الناس، ولا تخاف الفقد، لأنها واثقة بالحق، مُتصالحة مع الزمن، ساكنة في الله.
لكن النفس لا تولد مطمئنة، ولا تبقى أمّارة، بل تتنقّل. في الصباح قد تكون أمّارة، وفي المساء لوّامة، وبعد عامٍ من المجاهدة تصبح مطمئنة للحظة، ثم تعود. فالصراع بين مراتب النفس ليس طارئًا، بل هو الوجود ذاته. وما من أحد إلا وفيه هذه الطبقات مجتمعة، تتحرك بحسب ما يغذّيها ويُهيّجها. وقد تعتقد أنك عرفت نفسك، فإذا بك تراها تُخفي عنك جزءًا مظلمًا، لا يظهر إلا حين يُختبر.
وإذا كانت النفس قابلة للتلوّن، فكيف تُربّى؟
لقد اختلف الحكماء في الطريق إلى تزكيتها، وتعددت مدارس تهذيبها بين الفلسفة والدين. عند أفلاطون، النفس مثل المدينة، فيها قوى شهوانية وغضبية وعاقلة، ولا تتحقق العدالة إلا حين تخضع السفلى للعليا. وعند أرسطو، الفضيلة تُكتسب بالممارسة، والاعتدال هو مفتاح ترويض الانفعال. أما في الشرق، فكان الطريق عبر الصمت، التأمل، الانفصال عن الرغبة، ونسيان الذات. لكن الوحي لم يكتفِ بوصف النفس، بل كلّفنا بتزكيتها، قال تعالى: ﴿ قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دسّاها ﴾. فالمعركة ليست بين النفس والناس، بل بين النفس ونفسها، والجهاد الحقّ يبدأ من الداخل لا من الخارج.
الإسلام لا يُميت النفس، بل يُعيد ترتيب قواها. لا يطلب من الإنسان أن يهرب من نفسه، بل أن يُراقبها، أن يعرّي نواياها، أن يُربّيها بالمجاهدة لا بالتجريد، وأن يوازن بين العقل والروح، بين الحاجة والعفاف، بين الحب والخوف. لأن النفس، كما قال العارفون، إذا تُركت لحالها ساقت صاحبها إلى التهلكة باسم الطمأنينة، وإذا رُوضت، أعادته إلى فطرته الأولى.
وفي التجربة، تتجلى هذه الصراعات لا كحكايات، بل كلحظات يعيشها كل واحد منا. رجلٌ وقف عند أول امتحان للعفة، ورأى كيف اشتعلت شهوتُه وارتعش قلبه، ثم تذكّر الله فتراجع، لا لأنه لا يرغب، بل لأنه يرغب في ما هو أعلى. امرأةٌ غارت من نجاح صديقتها، ثم بكت في خلوتها، لأنها لم تُرد أن تكون كذلك. شابٌ أخذ رشوة في لحظة ضيق، ثم لم يذق النوم لشهور. سياسيٌّ خان مبدأه، ثم جلس كل ليلة يحادث مرآته ولا يجرؤ أن يُجيب. هذه ليست قصصًا، بل مواقفنا جميعًا، بأشكال مختلفة، تتكرر، وتكشف ما تخفيه النفس من دهاليز.
النفس في أصلها روح فطرية. لكنها ما إن تسكن الجسد، تبدأ بالتشكّل عبر المشاعر. تتحوّل إلى رغبة، إلى خوف، إلى غيرة، إلى تعلق، إلى طموح، إلى قلق. وكل شعور فيها هو انعكاس لصراعٍ أعمق: بين نور الروح وثقل الطين. ولكنها، رغم كل شيء، لا تموت. تتغيّر، تُرهق، تُغشى… لكنها لا تُمحى. وإذا رُدّت إلى أصلها، إلى ذكر الله، إلى الصدق، إلى التواضع، عادت كما كانت: نقية، شفافة، متصلة.
ثم يأتي التأمل الفلسفي الكبير: إن بيني وبين نفسي مسافة لا تُقاس، فهي أقرب من وريدي وأبعد من وهمي. ليست النفس شيئًا أمتلكه، بل شيءٌ يساكنني، يُراوغني إذا أردت الإمساك به، ويُمسكني إذا توهّمتُ السيطرة عليه. كلما ظننت أنني أنا، فوجئت بأنها هي. أنا من يفكّر، لكنها من يشتهي. أنا من يُخطّط، لكنها من تُغري. أنا من يصمت، لكنها من تُفسّر الصمت بما تشاء. هي مرآتي التي لا أراها إلا حين تنكسر.
حين أحب، لست أعلم إن كان حبي نقيًا، أم أن النفس تختبئ خلف اللطف لتظفر بشيء. وحين أزهد، أخاف أن يكون زهدي حيلةً جديدة من حيل الكِبر. وحين أطلب وجه الله، أتساءل في خجل: هل طلبتُه خالصًا، أم لأني أحببت أن أبدو طاهرًا؟ النفس لا تصرخ في وجهي، بل تهمس. لا تجرّني، بل تُقنعني أنني أنا من يريد. وشرّ ما فيها أنها تُشبهني، فلا أستطيع أن أقول: لست أنا، ولا أجرؤ أن أقول: أنا تمامًا.
كل معركة أخوضها مع الناس أعلم أنها معركة خاسرة إن لم أسبقها بمعركة مع نفسي. وكل خير أفعله لا أطمئن إليه حتى أعرف لماذا فعلته. فالنية ليست كلمة، بل أعماق. والإخلاص ليس قرارًا، بل انكسار. وقد قالوا: “اعرف نفسك”، فبحثت عنها فلم أجد إلا أطلالًا… ثم عرفت أن معرفتها لا تكون إلا بعد محاربتها، وأن من لم يُجاهد نفسه فقد عاش حياته في خدمة عدو داخلي… يُشبهه.