تأملات بين طبقات الذات البشرية

بقلم: عوض الله الصافي نواي

0 7

هذا الكتاب ليس بحثًا علميًا صرفًا، ولا خواطر تأملية عابرة، بل رحلة داخل الإنسان، عبر طبقاته السبعة، أبعاده السبع، وطاقاته المدفونة التي خُلق بها. رحلة إلى الداخل… إلى حيث تسكن الحقيقة.

إنه محاولة لفهم الإنسان لا بوصفه جسدًا يمشي، بل بوصفه كائنًا سماويًا في هيئة ترابية.

في كل إنسان معجزة صامتة…

هل تعلم أنك تملك ما يزيد عن 100 ألف كيلومتر من الأوعية الدموية داخل جسدك؟

وأن قلبك ينبض أكثر من 3 مليار نبضة طوال حياتك؟

وأنك تملك أكثر من 86 مليار خلية عصبية؟

وأن جهازك الهضمي يضم أمعاءً يتجاوز طولها سبعة أمتار، تقوم بهضم وتصفية ما يعادل أكثر من 30 طُنًا من الطعام خلال العمر؟

ثم تأمل الرحم… حيث كنت في مرحلة التكوين، تتغذى من دم الأم عبر الحبل السري، لا لسان لك ولا قرار، ومع ذلك يُنفخ فيك الروح.

 

أيُّ سرٍّ هذا الذي يُضيء كل خلية… دون أن نراه؟

 

وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟

نص متصل – فصل تأسيسي في فهم الإنسان

 

في الإنسان سرّ لا يشيخ.

مهما تهالك الجسد، وتعبت النفس، وبليت الذاكرة، يبقى في داخله نورٌ أصلي، يشعّ خافتًا أو يندلع… لكنه لا ينطفئ.

ليس الإنسان جسدًا فحسب، ولا وعيًا عابرًا يسكن الرأس، بل هو مرآة مصغّرة للكون، طبقاتٌ من المعنى ملفوفة في جلدٍ من التراب.

 

حين قال الله في كتابه العزيز: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟)،

لم يكن يسأل سؤالًا تقريريًا، بل يفتح بابًا إلى الداخل، كأنما يقول: “تأمل… ففيك خارطة الخلق كله.”

 

لكي يُبصر الإنسان ذاته، عليه أولًا أن يتعرّف على تركيبته العميقة؛ فهو ليس قطعة واحدة، بل ثلاثية مقدّسة: جسد، نفس، روح.

الجسد هو الطين، هو الهاردوير، هو الأرض التي تمشي.

(خلق الإنسان من صلصال كالفخار)

والنفس هي التي تُشغّله، كالكهرباء التي تُحيي الدارة، وهي ميدان الرغبة، والانفعال، والتقلب بين الظلمة والنور.

(ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها)

أما الروح، فهي الأمر السماوي، البرنامج الإلهي، السوفتوير الأعلى الذي لا يُلمس ولا يُرى، بل يُشهد في لحظات الصفاء والانكسار.

(قل الروح من أمر ربي)

 

تتشكل هذه الثلاثة في سبع طبقات، تمامًا كما خُلقت السماوات سبعًا، وكما خُلق الوجود في ستة أيام ثم استوى الله على العرش.

(الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن)

(إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش)

 

ففيك جسد مادي، تحته ظل أثيري، تعلوه طبقة شعورية، ثم ذهنية، ثم روحية دنيا، ثم روح عليا، وفي أعلاك… شرارة هي الأصل.

كل طبقةٍ هي سماء، وكل سماء بابٌ إلى وعيٍ أرقى.

كما ترتفع السموات، ترتفع أنت… إن شئت.

 

ولأن الكون لا يُكرر عبثًا، فإن هذه الطبقات تُقابل مراكز الوعي في الإنسان – التيجان السبعة – كما تصفها الفلسفة الشرقية.

في قاعك تاج الجذر، أساس البقاء، وفوقه العجز، مركز الشهوة، ثم الضفيرة، حيث السلطة والإرادة، ثم القلب، ثم الحلق، ثم العين الثالثة، وأخيرًا تاج الرأس… مركز الاتصال بالعلو الأعلى.

 

وكل مركزٍ من هذه التيجان السبعة، مرتبط بطبقة من طبقات النفس، وببُعدٍ من أبعاد السماء، وبمرحلةٍ من مراحل الخلق.

 

وحين تصعد الطاقة من الجذر إلى التاج، فأنت لا تُمارس تمرينًا باطنيًا، بل تُعيد تمثيل قصة الخلق داخلك، كأنك تعيش معراجًا من تراب الجسد إلى عرش الروح.

 

وما يربط هذه الطبقات كلها، ويجعلها حيّة لا ساكنة، هو الشرارة.

الشرارة متصلة، وعندما تتوقف… تخرج الروح من الجسد.

 

الشرارة هي سرّ الاتصال، هي التي تُضيء النفس، وتحرّك الجسد، وتُفتح بها البصيرة.

وإذا انطفأت، ينقطع كل شيء… وتنطفئ كل السماوات الداخلية.

 

الناس تنظر إلى الخارج: إلى الأبراج، إلى النجوم، إلى تقلبات العالم.

لكن القليل فقط، من تجرأ أن يطرق الباب نحو الداخل.

أن يجلس في صمته ويسأل: من أنا؟

هل أنا جسدٌ فيه شرارة؟

أم شرارةٌ تقمّصت جسدًا إلى حين؟

 

فيك الأرض والسماء، فيك الخطأ والتوبة، فيك المعراج وفيك الهاوية، فيك البداية، والنهاية، وما بينهما.

(سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)

وهذا الكتاب ليس شرحًا للعقل، بل محاولة تذكيرٌ بالشرارة…لعلها تتوهج مرة أخرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.