عوض الله نواي يكتب: جبريل… وزير الأرقام والشفافية

كتب : عوض الله نواي

0 39

عندما اندلعت الحرب في 15 مايو 2023، واجه السودان انهيارًا شبه تام لمؤسساته: توقّفت المؤسسات كافة عن صرف الرواتب، وتقلّص الاحتياطي الأجنبي بنسبة 85%، وارتفع عجز الميزانية إلى 65% من إجمالي الإنفاق. في خضمّ هذا الانهيار الكارثي، استطاع الدكتور جبريل إبراهيم وزير المالية أن يعيد رسم خريطة الأرقام والبيانات بثبات قياسي، فشهدنا خلال 30 يومًا رفع نسبة صرف الرواتب من الصفر إلى 70%، ثم استكمال الصرف بالكامل (100%) مع حلول ستة أشهر، في حين تقلّص الهبوط في الاحتياطي الأجنبي من 85% إلى 50% خلال شهر، ثم إلى 20% بعد نصف عام.

 

رغم ضغوط نشطاء الأسواق على سعر الصرف، حافظ الجنيه على مستوى مقبول، إذ استقرّ سعر الصرف عند نحو 2,450 جنيهًا للدولار في يونيو 2025، مقابل 600 عند بداية الحرب و2,500 بعد ثلاثة أشهر. وكما نرى، تذبذب سعر لتر البنزين بين 610 و620 جنيهًا، بعد أن كان 250 جنيهًا قبل الأزمة. أما مؤشر أسعار السلع الأساسية—كسكر ودقيق وطماطم—فقد بلغ ذروته عند 180 نقطة ثم عاد لينخفض إلى 175 نقطة، وهو دليل على نجاح إجراءات الدعم والاستيراد المدروس.

 

على صعيد التجارة الخارجية، بلغ إجمالي واردات السودان منذ اندلاع الحرب وحتى يونيو 2025 نحو 15.4 مليار دولار، بمعدّل شهري يقارب 760 مليون دولار. وقد توزّعت هذه الواردات بين الوقود والغاز بنسبة 30%، والحبوب الغذائية 25%، والمواد الطبية 15%. ورغم هذا الحجم الضخم من الواردات، تحسّن العجز التجاري تدريجيًا: من −1.4 مليار دولار في 2023 إلى فائض قدره 0.7 مليار في 2024، وما يقارب 0.6 مليار في النصف الأول من 2025.

 

هذا الانفراج في الميزان التجاري انعكس إيجابيًا على ميزان المدفوعات، فانتقل من عجز −1.0 مليار في 2023 إلى فائض +0.5 مليار في 2024، ثم +0.4 مليار في منتصف 2025. وساهمت حوالات المغتربين بنحو 2.8 مليار دولار خلال 2024، وجلبت الاستثمارات الأجنبية المباشرة حوالي 0.6 مليار دولار، ما عزَّز من قوة الحساب الجاري واستقرار الجنيه.

 

لم يأتِ هذا التقدم صدفة، بل نتيجة لرؤية الدكتور جبريل إبراهيم في إعادة هيكلة الدين العام، عبر خفض سعر الفائدة من 22% إلى 12%، ما قلّص تكاليف خدمة الدين بنحو 40%؛ ولإطلاقه قروضًا صغيرة بقيمة 250 مليون جنيه دعمت 200 ألف فرصة عمل جزئيّة؛ ولنجاحه في جذب 600 مليون دولار من مؤسسات دولية. وفي خريطة الإنجاز ذاته، وقف إلى جانبه الدكتور معتصم أحمد صالح، الذي أدار مشروع “ثمرات” بتمويل 180 مليون دولار لدعم 45 ألف مزارع، فأعاد إنتاج المحاصيل الاستراتيجية بنسبة 32% وخفّض زمن صرف الدعم من 60 إلى 10 أيام.

 

إن هذه الأرقام ليست أرقامًا فحسب، بل شهادات حية على قدرة الوعي والقيادة الاقتصادية على تحويل الحرب إلى فرصة لصمود مؤسسات الدولة. ولهذا يستحق الدكتور جبريل إبراهيم قيادة المرحلة المقبلة، ويستحق الدكتور معتصم أحمد صالح حقيبة وزارية دستورية ليكمل معه برنامج البناء والتنمية، ويضيءان معًا دروب شفاء الاقتصاد السوداني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.