د. طاهر موسى الحسن يكتب: الأمة التي تبحث عن نفسها
كلما اشتدت الأزمات في العالم العربي والإسلامي، عاد السؤال القديم ليطل برأسه من جديد:
كيف وصلت أمة تمتد من المحيط إلى الخليج، وتضم أكثر من ملياري مسلم، وتملك بعضاً من أهم الممرات البحرية والثروات الطبيعية والمواقع الاستراتيجية في العالم، إلى هذا القدر من التشتت والضعف والانقسام؟
السؤال ليس جديداً، لكن الجديد أن العالم من حولنا يتغير بسرعة غير مسبوقة، بينما ما زلنا ندور في كثير من الأحيان داخل الدائرة نفسها.
نختلف حول التفاصيل، ونتنازع حول القضايا الصغيرة، بينما تتشكل خرائط العالم الجديدة من حولنا دون أن نكون جزءاً مؤثراً في صناعتها.
والحقيقة التي يجب أن نواجه أنفسنا بها بشجاعة هي أن أزمة الأمة العربية والإسلامية ليست أزمة موارد، وليست أزمة عدد، وليست أزمة موقع جغرافي.
إنها في جوهرها أزمة وعي.
فالأمم لا تنهض بما تملك فقط، وإنما بما تؤمن به.
ولا تصبح قوية بمجرد امتلاك الثروات، وإنما بامتلاك المشروع الحضاري الذي يحول تلك الثروات إلى قوة.
لقد كانت الأمة الإسلامية في فترات ازدهارها أكثر تنوعاً مما هي عليه اليوم، وأكثر اتساعاً مما هي عليه اليوم، وأكثر اختلافاً في الأعراق والثقافات والمذاهب مما هي عليه اليوم، ومع ذلك استطاعت أن تبني واحدة من أعظم التجارب الحضارية في التاريخ.
والسبب أنها امتلكت فكرة جامعة.
فكرة جعلت العالم الإسلامي فضاءً للعلم والتجارة والمعرفة والتفاعل الحضاري.
أما اليوم فإننا نعيش حالة معاكسة تماماً.
لقد أصبح الانقسام هو الأصل، وأصبح الاتفاق هو الاستثناء.
وأصبحت الحدود السياسية التي رسمتها ظروف التاريخ أقوى في وعينا من الروابط الحضارية التي جمعتنا لقرون طويلة.
ولهذا فإن الحديث عن وحدة الأمة لا ينبغي أن يبدأ من الشعارات الكبيرة ولا من الأحلام العاطفية.
فالواقع أكثر تعقيداً من ذلك.
الوحدة الحقيقية تبدأ من الوعي.
تبدأ عندما تدرك الشعوب العربية والإسلامية أن ما يجمعها أكبر بكثير مما يفرقها.
وتبدأ عندما ننتقل من ثقافة الصراع الداخلي إلى ثقافة المصالح المشتركة.
وتبدأ عندما نقتنع بأن التعاون ليس تنازلاً، وإنما ضرورة للبقاء في عالم تحكمه التكتلات الكبرى.
إن أوروبا لم تصبح قوة عالمية لأنها ألغت اختلافاتها.
والصين لم تصبح قوة اقتصادية لأنها خلت من التحديات.
والولايات المتحدة لم تتحول إلى قوة عظمى لأنها كانت مجتمعاً متجانساً بالكامل.
كل هذه التجارب نجحت لأنها امتلكت رؤية للمستقبل.
وهنا تكمن القضية الأساسية بالنسبة للعالم العربي والإسلامي.
نحن بحاجة إلى مشروع نهضوي جديد.
مشروع يبدأ من التعليم.
ومن البحث العلمي.
ومن بناء الإنسان.
ومن تحرير العقل من ثقافة التبعية والاستهلاك.
ومن إعادة الاعتبار للمعرفة باعتبارها أساس القوة الحديثة.
فالقرن الحادي والعشرون لا تُحسم معاركه فقط بالسلاح، وإنما تُحسم أيضاً بالتكنولوجيا والاقتصاد والذكاء والمعرفة.
ولا يمكن لأمة تريد استعادة مكانتها أن تظل مستهلكة لما ينتجه الآخرون، بينما تتراجع مساهمتها في إنتاج العلم والتقنية والابتكار.
كما أن أي حديث عن نهضة عربية أو إسلامية سيظل ناقصاً إذا لم يرتبط بالتكامل الاقتصادي.
فالدول العربية والإسلامية تمتلك موارد هائلة وأسواقاً ضخمة ومواقع استراتيجية فريدة، لكنها ما تزال أقل تكاملاً اقتصادياً من كثير من التكتلات الإقليمية الأخرى.
والحقيقة أن الوحدة الاقتصادية أكثر واقعية اليوم من أي حديث آخر.
فالتجارة والاستثمار والبحث العلمي المشترك والبنية التحتية العابرة للحدود يمكن أن تخلق واقعاً جديداً تتبعه السياسة لاحقاً.
أما الوحدة العسكرية التي يتحدث عنها البعض، فإنها لا يمكن أن تكون نقطة البداية.
لأن القوة العسكرية الحقيقية هي نتيجة لوحدة الرؤية والمصالح، وليست بديلاً عنها.
فالجيوش القوية تحتاج إلى اقتصاد قوي.
والاقتصاد القوي يحتاج إلى علم قوي.
والعلم القوي يحتاج إلى وعي قوي.
وهكذا تبدأ النهضة من حيث تبدأ كل النهضات: من الإنسان.
إن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يشغلنا اليوم ليس كيف نعيد أمجاد الماضي، وإنما كيف نبني مستقبلنا.
فالأمم لا تعيش على الذاكرة وحدها.
والمستقبل لا يصنعه الحنين.
وإنما يصنعه العمل والفكرة والإرادة.
ولعل أول خطوة في طريق النهضة هي أن نستعيد ثقتنا بأنفسنا، وأن نؤمن بأن أمتنا ليست محكومة بالتراجع، وأن ما حققته في الماضي قادرة على أن تبني ما هو أعظم في المستقبل إذا امتلكت الرؤية والإرادة والوعي.
فالنهضة تبدأ دائماً بفكرة.
وكل مشروع كبير في التاريخ بدأ بسؤال.
وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نبدأ به اليوم هو:
كيف نستعيد وعينا قبل أن نفكر في استعادة قوتنا؟