الزين بزين فعله ما بزين بلبسو
والضو بْبان في اللّيل ما بين في شمسو
اللي بخاف الله ويحنّ للضعيف في يِسرو
ده الحاكم البيِسوى والبلد ترتاح في كرسو
هكذا بدأ المشهد. لم يكن ثوب العيد ولا عمامة البروتوكول هي التي صنعت الهيبة، بل كانت الرحمة.
رئيس الوزراء د. كامل إدريس، يمد يده لطفل يتيم، ويُربّت على أكتاف الأمهات اللائي شردتهن الحرب، كأنّه يُعيد لهن معنى الدولة… ومعنى العيد.
في صباحٍ ليس ككل صباحات السودان المكلوم، وبينما كانت العيون تحصي أسماء الغائبين، والقلوب تبحث عن ظل عيدٍ مفقود في زحمة الدموع، جاءت تلك الخطى الهادئة لتعيد شيئًا من الطمأنينة للقلوب، وتبعث في الأرواح المرهقة شيئًا من الرجاء.
في أول أيام عيد الأضحى، لم يختر رئيس الوزراء قصراً ولا مائدة فاخرة، بل اختار أن يبدأ عيده من الخيام لا الخُطب، ومن معسكرات النزوح لا منابر السياسة، وبين وجوه الأطفال الذين لم يعرفوا طعم العيد منذ اندلعت نار الحرب، وبين أمهاتٍ يكتمن الدموع خلف ابتسامات العيد المُصطنعة.
رجل الدولة، بثوبه السوداني الأبيض وعمامته، لم يكن يوزّع الهدايا فقط، بل كان يوزّع الأمان.
طفل صغير، لا يعرف من هذا الرجل، لكنّه ضحك حين رفعه كامل إدريس إلى صدره، كأنّ حضن الدولة عاد إليه فجأة.
الصغار الذين حضنهم، لم يكونوا مجرد أطفال، بل رموزًا لجيلٍ كاد يفقد الثقة في هذا الوطن، فجاءه من يقول: “أنت لست وحدك.”
والأمهات اللائي تهجرن وسكنّ الخيام، لم يحتجن إلى خطبة سياسية، بل إلى يدٍ تربّت على الكتف، وعينٍ تنظر إليهن بصدقٍ لا بشفقة.
امرأةٌ رفعت يديها وهمست “الله يسهل عليك”، وأخرى خبّأت دمعتها، وثالثة قالت: “الحكومة اللي بتجي من الزول البيِحس بينا، دي بنسندها بقلوبنا.”
تلك الصور التي التُقطت في هذا اليوم، لم تكن للزينة، بل كانت شهادة.
شهادة على أن هناك مسؤولًا بدأ حكمه من حيث وُجدت الجراح، لا من حيث تُصنّع الكلمات.
وأن السياسة الحقة، هي حين تسبقك الإنسانية قبل أن يتبعك الحرس.
إننا أمام لحظة مختلفة، لحظة يُعيد فيها الحاكم تعريف سلطته:
لا كرسي فوق المنصة، بل ظلّ في الخيمة.
لا خطاب طويل، بل نظرة في عيون طفل فقد أباه.
لا وعود مستقبلية، بل يدٌ تمسح دمعة حاضرة.
“الحاكم العادل لا يُقاس بعدد قوانينه، بل بعدد الأيتام الذين ضحكوا في حضرته.”
وفي ختام هذا المشهد النبيل، نُنزله منزلته من حديث سيدنا محمد (ص)
“إنَّ أحبَّ الناسِ إلى اللهِ يومَ القيامةِ، وأدناهم منه مجلسًا إمامٌ عادلٌ.”
— حديث شريف