أحبُّ البلاد التي لا تحبُّ الغُزاة
وأدخلُها باسِمًا، ثم أَخرج منها حزينًا
أحبُّ القصيدة حين تكون اغتيالًا لغُزاة المعاني…
— محمود درويش
مضت الأيام وسارت القافلة، قافلة الحروب والأزمات، في بلادٍ كانت تُعرف بالتسامح والود والعرفان. وها هو العيد الرابع يطلّ، عيدان للفطر وعيدان للأضحى، لا يُسمع فيها تكبير، ولا تُوزع فيها فرحة. بلادٌ غارقة في دماءٍ سُفكت بلا مبرر، لولا شهوة السلطة وشيطانها الذي ركب ذاك المهرّج الأمي، الذي لم يتعلّم من المدنية إلا محاربتها، ومن الحضارة إلا المشاهد المصطنعة، ومن الكبرياء إلا شرعنة القتل والسحل.
أربعة أعياد مضت، وما من عيدٍ حقيقي.
في هذه المدة، هجر الناس بيوتهم، وغابت البسمة، وغرقت ليالي السمر في الصمت والدموع. تبدّلت المواقف بين الأسر والجيران، كريمٌ ذل، وغنيٌ افتقر، وجائع لم يُطعم، وطفل فقد أبويه، وأمٌ ثكِلت، وامرأةٌ ترمّلت، وأطفالٌ يُتّموا قبل أن يفتحوا أعينهم على الحياة.
تبدّلت الحياة حتى كدنا لا نعرف أنفسنا ، أغنياء أمس صاروا في طوابير الإغاثة، وتجار الأمس باتوا يتحسّسون بطونهم الخاوية، وعزيزُ قومٍ – بالأمس – اليوم صار ذليلاً.
طلاب الجامعات فقدوا تحصيلهم، والجامعات فقدت أرشيفها، والمكتبات صارت رمادًا ، المولات الكبيرة التي كانت تضج بالبضائع فقدها أصحابها، وشركات انهارت، ومصانع سُوّيت بالأرض.
من أين نبدأ الحكاية؟ ومن أين ننتهي؟ لا لغة تُسعفنا لوصف هذه الكارثة الإنسانية التي حلت على البلاد والعباد، لا استعارة تكفي، ولا تشبيه يُجاري حجم هذا الجرح.
اليوم أكتب بلسان عزيز قومٍ ذلّ – وما أكثرهم – ذاك الذي كانت الحياة بين يديه، وفي غمضة عينٍ، فقد كل شيء.
أبناؤه جوعى، وهو عاجز عن إطعامهم.
استحقاقات الإيجار تراكمت، وهو هائمٌ بين المساجد، لا يسأل الناس شيئًا، بل يسأل الله وحده أن يفكّ كربته.
اليوم أكتب بلسان أهل المدينة حين جار عليهم الزمان، ونزحوا إلى الريف.
وهناك… لم يُحسن الأقارب استقبالهم ، قسوا عليهم، وضيّقوا عليهم، حتى كأنهم غرباء في أرضٍ كانت لهم.
ثم دارت الأيام، ونزح أهل مدني إلى بورتسودان، فإذا بأهلها يقسون عليهم كما قسا من قبلهم، ودار الزمان كأنّه يقول: “كما تدين تُدان”.
بلسان من أكتب؟
أأكتب بلسان التاجر الذي نهبت مخازنه؟
أم الطالب الذي فاته التخرج؟
أم بلسان الأم التي تُقلّب ملابس ابنها الشهيد كل صباح؟
القائمة لا تنتهي…
ولو فُتحت الصحائف، لن يكفيها مداد الأرض.
اللهم فرّج عن أهل السودان، اللهم ارحم من مات، واشفِ من جُرح، وآوِ من شُرّد، وأطعم من جاع، واحفظ من بقي.
“ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا،
ونرقص بين شهيدين… نرفع مئذنة للجميلات فوق خراب الحقول.”