بيت من زجاج
كانوا يسرقون ما لا يُحمَل، ويجمعون ما لا يُفهم، ويكدّسون ما لا يُستخدم.
لم تكن السرقة عندهم فعلاً اقتصادياً… بل طقساً من طقوس إثبات الوجود.
كأنهم يقولون: “أنا أسرق، إذن أنا موجود.”
كانوا يضعون ماكينة قهوة إلكترونية فوق “طبلية” مشروخة، ويصبّون فيها ماءً بارداً من “سعن”، ثم ينتظرون العطر ولم يأتِ.
سرقوا مبردات المياه ولم يجدوا ماءً، وسرقوا أجهزة التحكم ولم يجدوا تلفازًا يعمل، وسرقوا الريموتات بلا بطاريات، وسرقوا الستائر من البيوت المحترقة، وعلّقوها على نوافذ لا جدران حولها.
وفي إحدى الزوايا، وُضعت طابعة ليزرية ضخمة فوق جوال بصل…
سُئل أحدهم: (ما فايدتها؟)
قال بثقة العارف:
(بتكتب لينا بيانات المقاومة… بس لسه ما لقينا الورق.)
في قريةٍ لم تكن على الخارطة إلا كجُرح في خاصرة البلاد، قام بيت عجيب من الصفيح واللافتات المسروقة، لا سقف له من سعف، ولا جدار من طين.
حائطه الخلفي كتب عليه: “ابتسم.. أنت في الخرطوم مول!” لكن لا أحد ابتسم.
هذا لم يكن بيتًا، بل نسخة مشوّهة من كل ما هو مسروق: مكيفات “سبليت” عُلّقت على جدار لا كهرباء فيه، بوتوجازات بلا غاز، “إير فراير” لا تُنتج طعامًا بل سخرية.
أحضروا أجهزة فحص السكري فظنوها ألعابًا، ثم أغلقت بخوف من “الجن”.
في الزوايا رُصّت أدوات المكياج كأصابع مبتورة، فنظرت إحدى النسوة وقالت: (الكحل دا ياتو مناسبة؟)، وضحكت الجدّة وهي تكنس الأرضية قائلة: (الشغل دا شنو؟ المكياج في بيت ما فيه صابونة؟)
كان كل شيء في هذا البيت غريبًا، لا ينتمي إلا إلى الفراغ.
*❷ سوق الخراب*
ما سُمِّي بـ”بيت البوكو حرام” لم يكن بيتًا، بل مخزنًا للتناقضات، وسوقًا كبيرًا للمنهوبات من كل المدن السودانية.
لم تُسرق الحاجات، بل سُرقت الأشياء لكونها “أشياء” فقط:
كاميرات مراقبة في قرى بلا أبواب، خلاطات كهربائية على عنقريب مكسور، شاشات بلا كهرباء، كتب أطفال في أكياس الذخيرة، مكياج في بيئة لم تعرف المرآة.
تُعرض الغنائم كأنها بضاعة فخرية في معرض الجنون، وتُباع بثمنٍ عبثي: غسالة بثلاثة خراف، تلفاز مقابل خرطوش، و”تيفال” مسروق يعادل ذقن قاتل قديم.
كل شيء هناك لا يُستخدم، ولا يُفهم، لكن يُباع ويُشترى لأنه مسروق فقط.
*❸ حكاية “الماشي ماشي”*
كان بينهم رجل يُدعى “الماشي ماشي”، بدأ بحمل القفة، وانتهى بامتلاك سيارة “جي كلاس” سرقها من أمام مستشفى خاص.
لم يشبع، لم يفهم، لكنه نظم وليمة.
ذبح ثلاثة تيوس مسروقة، ونصبها تحت شجرة طلح نحيلة، وعلّق أسلاكًا على غصن لالوب لا يضيء.
تجمّع حوله رجال يتحدثون عن السرقة كأنها بطولة، وعن القتل كأنه تحرير.
قال أحدهم وهو يمضغ فخذ التيس: (السرقة دي بتدوّخ زي عِرق اللالوب بعد النقع.)
وفي ركن البيت، جلس “ساخر السوق” وقال لهم:
(سرقتم كل شيء، إلا المعنى.
أخذتم المفاتيح دون أن تبنوا الأبواب.
حملتم أسماء المدن، وتركتمها تحترق بلا وداع.)
ثم انصرف إلى ظل شجرة طلح، كأنها آخر ما تبقّى من الدولة.
*❹ البلاد التي تسمع*
كانت البلاد تسمعه.
كانت القطية تنظر لأضقم الجلوس الضخمة وتبكي، وكانت شجرة اللالوب تبكي دون أن تسقط أوراقها.
صار الخراب عاديًا، والفوارق طبقية ظهرت في ليلٍ بلا تمهيد: من كان يبيع الفحم صار يركب الجيب، ومن كانت جدّته تحلب اللبن تحت الطلح، صار يفتح ثلاجة لا تعمل وينادي على ضيوف لا يأتون.
الفرح نُهب. العيون سُرق كحلها.
والحياة…
صارت شبحًا يسكن بيت البوكو حرام.
*واخيرا وليس أولا*
سرقتو السبلتْ ونسيتو الهجيرْ
وبتوجاز بلا نار… دا شين المصيرْ
غنيمتكم بلا عقل، وسوقم كسيرْ
تشيلو الغنيمة… وتنسو الضميرْ
نهبتو المرايات، ووشّ السوادْ
وزيّنتو الفراغ، وكحل العبادْ
لكن ما بتشيل الحيّه قلادة جهادْ
ولا بتحكم الأرض مطايا الفسادْ
الجي كلاس ما بتعلي القيمه في الزولْ
ولو مشى فوق النهب ما بيبقى مسؤولْ
البلد ما بتتبني بجرّة مسدسْ
تبنيها الكلمة… واليد النظيفة… والحُرّ البدوي الأصولْ