دفاتر الطين (2): ابن المرحاكة والأقمار الصناعية*

كتب : عوض الله نواي

0 22

قالوا إن الأقمار الصناعية تراقبنا من السماء، وتعدّ أنفاسنا كأنها حبات رملٍ على ضفةٍ رقمية. قالوا إن العيون في الأعلى تعرف متى ننام، ومتى نبكي، ومتى نرفع أيدينا في العتمة ولا أحد يسمع. فابتسمتُ… ونظرت إلى صورة جدي. ذلك الذي لم يعرف الكهرباء، ولا حمل هاتفًا، ولا شحن بطارية، كان يعرف الوقت من ظل الشجرة، والموعد من رائحة الريح، ويقرأ السماء كأنها كتاب، ويتلو الغيم على الأرض كما يتلو العارفون صلواتهم. قالوا إن الذكاء الاصطناعي يكتب القصائد، ويؤلف الأغنيات، ويُبرمج الدموع، فقلت لهم: جدتي، وهي تدور “ابن المرحاكة” فوق حجر الرحى، غنّت للغائبين، وكتبت بنبضها ما لم تكتبه غوغل، وسكبت في الطحين أسرار الأرض، وغسلت الحزن بدقيق الدخن.

 

في ركن المطبخ الطيني، كانت تجلس كمن يُصلّي، لا تتكلم كثيرًا، لكنها تُسمِع المرحاكة أسرار العائلة، وتقول للريح: “اصبر يا وليدي، ما بضيع تعبك.” كانت تغني بصوتٍ لا يصل إلى المدن، لكنه يسند بيتًا من قطية، ويغني للبادية أنشودتها القديمة. لم يكن عندنا أقمار صناعية، لكننا كنا نعرف مواقعنا من أثر الخطوة، ونعرف المطر من طيران النمل، ونفهم الحرب من غياب الحصاد. لم نكن نملك كاميرات حرارية، لكننا كنا نحس بحرارة الخيانة حين نراها في العين.

 

الآن، تسقط طائرة دون طيّار على بيت في أم سيّالة، تلتقط الأقمار صورة ملونة للدم، لكن لا تُظهر وجه الأم وهي تجمع ما تبقى من حذاء صغير. لا تُظهر صوت المِرحاكة وهي مكسورة، لا تُظهر عجينةً لم تكتمل، ولا حفيدًا مات قبل أن يشبع. قالت الأقمار: الهدف دقيق. وقالت الجدة: الخبز صار بلا بركة.

 

أنا لست ضد الحداثة، لكنني ضد النسيان. ضد أن نُمحى من الخرائط ونحن نرسمها بالدم. ضد أن نتحول من أبناء أرض إلى ملفات في أرشيف المانحين. ضد أن تختفي المرحاكة من بيتنا، وتُستبدل بمخبز بلا طحين. لا أريد وطنًا يُقاس بإشارة الإنترنت، بل برضا الجدات، وماء القُلّة، وظل الهشاب.

 

في قريتنا، كانت التكنولوجيا هي النية، وكانت البركة هي التوقيع على كل معاملة يومية. لم يكن أحدٌ يكتب رسالة، لكن كل واحد منا كان بريدًا حيًّا من قلب إلى قلب، ومن بيت إلى بيت، ومن نخلة إلى نخلة. لم نكن نملك أبراج إرسال، لكننا كنا نرسل السلام بصوت عالٍ، وتصل التحايا دون تشويش.

 

أعرف أن الحرب تغيّر كل شيء، لكنها لم تُغيّر صوت الرحى في رأسي، ولا وجه أمي وهي تدور “ابن المرحاكة” كأنها تدير دورة الزمان. أعرف أن العالم يتغير، لكن الجوع لا يتغيّر، والحنين لا يُبرمج، والبكاء على طفل مفقود لا يُضغط من زر.

 

*وسأقول لأولادي: نحن لم نصنع الأقمار الصناعية، لكن جداتنا كنّ يصنعن القمر كل صباح من عجينة الدخن، ويقدّمنه على طبق من فخار*.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.