الوصية في المهلة
*بقلم: عوض الله نواي*
*مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام*
في مثل هذا التوقيت من العام الماضي، كانت مليشيا الدعم السريع تتجول في جغرافيا الوطن كما يتجول اللص في بيتٍ بلا حراسة. كانت قد بسطت نفوذها على كامل ولاية سنار، وتمددت في قرى الجزيرة حتى كادت تُعلنها “إقطاعية دقلوية”، واستوطنت وسط الخرطوم كما يستوطن الورم الخبيث قلب الجسد. في ذلك الوقت، ولايات كردفان كانت كلها ترزح تحت التهديد، وولايات دارفور تحوّلت إلى ساحة مفتوحة لمواكب الموت والخوف والنهب.
لكن ما الذي تغيّر اليوم؟ تغيّرت المهلة، وثبتت الوصية. فبالصبر والثبات، استطاعت القوات المسلحة، ومعها القوات المشتركة، أن تغيّر المعادلة، وتعيد للسودان هيبته. اليوم، لا تُقاتل مليشيا الدعم السريع من قلب الخرطوم أو سطوة الجزيرة، بل تُقاتل على أطراف كردفان في ما يشبه معركة دفاع أخيرة عن جيوب الولاء المتبقّية. انحسر ظلّها، وضاق ميدانها، وتحولت من مشروع استباحة إلى حالة دفاع يائس، تُطارِدها ضربات الطيران، وتُحاصرها طلائع الصحراء، ويُدوّي في خلفيتها زحف المقاومة الشعبية في المدن والقرى.
بجعبة هذه المليشيا الموت. قتل ونهب وفساد ودمار وذُل ومهانة للمواطن، ذاك هو إرثها الوحيد حيثما دخلت. فإن سيطروا على مدينة، فرّ منها أهلها كما يفرّ النصيح من الآجرب، لا طمأنينة ولا سكينة، لا دولة ولا قانون، لا أذان ولا أجراس، لا نشيد صباح ولا موكب طُلاب. كل ما تقدمه المليشيا هو الخراب المقنن باسم السيطرة. يُقاتلون في مدنٍ خاوية، مخيفة، مدن أشباح لا حياة فيها، لأنّ المواطن هو صخب المدينة، هو ضحكة الأطفال في الزقاقات، هو زغرودة النساء، وصوت الجرس في أول الصبح، وهو حفيف الأمل بين صفوف التلاميذ في الطابور. وما من مظهر مدني إلا ويُطفئه وجودهم، إذ لا حياة مدنية تستقيم في ظل من لا يملك سوى البندقية والنهب. فالمليشيا، وإن حاولت أن تصنع وجودًا، فإنها تعجز عن توليف الحياة. لا تبني مدرسة، لا تُقيم صلاة، لا تحرس سوقًا، لا تحفظ عرضًا.
ما بين سنة الأمس، ويوم اليوم، صبرنا كثيرًا. والوصية في المهلة، كما قال فرح ود تكتوك، لأن النصر لا يُولد من الغضب، بل من التماسك والتدبير. كل شبر تحررناه كان ثمنه دماء، وعرق، ودعوات أمهات لا تنام. اليوم وقد أعلنت القوات المسلحة بسط كامل سيطرتها على العاصمة الخرطوم، فإننا نقول: هذا جيش لا يُهزم، لأنّه يقاتل من أجل فكرة، لا من أجل سلطة. فليُمنح هذا الجيش ما يستحق: الدعم الكامل، والتسليح الفوري، والمعلومة الدقيقة.
لم تكن القوات المشتركة ترفًا في الحرب، بل كانت اليد الثانية التي رفعت السيف مع الجيش. هم أبناء الكفاح، أولئك الذين عادوا من الجبال والبوادي ليلتحقوا بقضية الوطن، لا بقضية الأشخاص. نوصي بتوسيعها، تدريبها، تسليحها، وتمكينها من قيادة عمليات خاصة في الجبهات المفتوحة. ومن غير هؤلاء؟ شباب الأحياء، ورجال القرى، ونسوة النفير؟ هم من كسروا غرور الدعم السريع، وفضحوا طموحه في التحوّل إلى جيش موازي. فلتُسند المقاومة الشعبية بسند تشريعي، وتُفتح لها قنوات الدعم الرسمي، لأنها الدرع الذي لا يخترقه المرتزقة، ولا يعرفه العملاء.
والخاتمة وصية على لسان الدوبيت، تعيدنا إلى جذر الصبر السوداني حين يقول:
*الضوق النضيج ما بنجضو في عَجل*
*والصبر قِوامو، والعوج بنعدلُو بَدل*
*الدرب الطويل بنقطعو كِسرة وأهل*
*والما صبَر على الوطن… ما فاتو أَهل*
*من سنار حتى كردفان… مرّت سنة، وتغيّر الميدان. فاثبتوا، فإن في الصبر وصية، وفي الثبات نصر، وفي السودان وعدٌ لا يخيب*.