المخابرات.. حين يصمت الغبار وتبقى البصمة

بقلم : عوض الله نواي

0 29

في أزمنة الهياج الإعلامي، حين ترتفع الأصوات وتتشابك الروايات، يُحسن البعض فن الكتابة، بينما يُحسن آخرون فن الصمت والعمل. من هؤلاء الذين يحسنون الفعل أكثر من القول، جهاز المخابرات العامة السودانية.

 

منذ اندلاع الحرب، كان واضحًا أن الجهاز قد انحاز بصلابة وهدوء لمعادلة الدولة، بعيدًا عن الزيف والتشكيك، وأقرب ما يكون إلى عقيدة جيشٍ ينتمي إليه ظلاً لا ضوءًا. لم يتورط في الفوضى، لم يركب موجة الشعارات، ولم يتكلم كثيرًا عن “الوطنية”، بل جسّدها.

 

لم يطلب رجاله رتبة ولا دعاية، بل اختاروا العمل في الظل، كتيبة تعرف أن أكثر الأعمال نُبلاً هي التي تُنجز دون أن تُرى. “ليسوا ملائكة ولكنهم ارتضوا العمل الكريم”، كما كتب أحد المخلصين، وهي عبارة تليق بهذا الجهاز، الذي ما فتئ يُثبت يومًا بعد يوم، أن أمن السودان ليس وظيفة، بل مسؤولية من نار.

 

الفريق أول أحمد إبراهيم المفضل، رجل عرفه من عمل معه، لا من كتب عنه، بأنه لا يعرف غير التوقيت الذي يبدأ فيه عمله مع الفجر، وينتهي غالبًا في منتصف الليل داخل المكتب. رجلٌ جمع بين هيبة القرار وهدوء العقل، لا يُسيّره الإعلام، ولا يفاوض على المهنية.

 

حين تكالبت ميليشيا الفوضى على الدولة، وحين اهتزت مؤسسات كثيرة، بقي جهاز المخابرات العامة ثابتًا، متماسكًا، يعمل كمؤسسة جمهورية تؤمن بأن الدولة أولًا، وأن الرصانة غاية لا بديل عنها.

 

الحديث عن بطولات الجهاز في معركة الكرامة ليس انفعالاً عاطفيًا، بل واقعٌ وثّقته العمليات الميدانية، والمواقف التي لم تُشهر كاميراتها، ولم تُرسل بياناتها، ولكن سُطّرت في دماء الشهداء وعرق الميدانيين.

 

ليس فيهم من يطلب “لقطة إعلامية”، لأنهم ينتمون لمدرسة أمنية عريقة، تعتبر أن الوطن لا يُحرس بالكلمات، بل بالعيون التي لا تنام، والعقول التي لا تخون، والقلوب التي لا تتغير.

 

الرد الحقيقي على أي تشكيك أو إسقاط لا يكون بمقالات حماسية، بل بالحقائق، بالملفات، بسجلات العمليات، بقوافل الشهداء والجرحى، وبالأسر التي تعرف أن ابنها في الجهاز يعني أنه اختار طريقًا شاقًا لكنه مشرف.

 

أما شركات الجهاز، التي يسعى البعض للطعن في نزاهتها، فهي مؤسسات وطنية قائمة على انضباط الإدارة، وحسن التدبير، والنأي عن فوضى السوق، ويكفي أنها لم تُشوّه باسم الفساد، ولا تهاوت كما تهاوت غيرها من شركات “التجربة”.

 

ما نريده من هذا الجهاز ليس أكثر من أن يستمر على هذا الدرب: درب الحياد، التماسك، خدمة الدولة لا الأشخاص، وتقديم النموذج حين تتكاثر النماذج الرديئة.

 

وما نريده من الدولة، هو أن تمنح هذه المؤسسة التقدير الذي تستحقه، بعيدًا عن المهاترات والتقليل والتسييس.

 

في وطنٍ يترنّح بين نكباته، تبقى بعض المؤسسات صمّام أمان. جهاز المخابرات العامة واحدة منها، وأي محاولة لتحجيم دوره أو جره إلى معارك جانبية، هي خدمة مجانية لأعداء الدولة.

 

ختامًا: وليس ختامآ

*للفريق أول المفضل نقول:*

استمر كما أنت، زاهدًا في الضوضاء، مشغولًا بالواجب، مخلصًا لله ثم للوطن.

ولأفرع الجهاز، كل التحية:

“ما كل مَن يحمل السلاح جندي،

ولا كل من يعمل في الظل خائن،

فبعض الظل وطنٌ من أمان.”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.