الدبيبات تفقد حكماءها
*بقلم: عوض الله نواي – وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام*
ارمي ليك كلمة تلقاها يوم غلاط …
لم تكن هذه المقولة عابرة على لسان الراحل أبوزيد عبد القادر، بل كانت مبدأ حياة. رجلٌ إذا نطق سُكِت من حوله، وإذا حَكم طأطأ العناد رأسه. من حكماء الدبيبات الذين عُرفوا بالرفق عند النزاع، والحزم في الحق، والسخاء في زمن الشح، والكرم حين يضيق الحال.
كان “أبوزيد” مدرسةً في السجايا السودانية الأصيلة:
حين يدخل الضيوف داره، يرتجف من أجل إرضائهم، لا من خوف بل من حرص على الكمال. ينادي بصوته الجهوري الذي لا يُنسى:
“يا أولاد… اضبحوا الكبش الكبير!”
ثم يلتفت إلى شريكة عمره ورفيقة كرمه، عائشة:
“يا عيشة! استعجلي التقلية والعصيدة… الضيوف جعانين !”
فتتحول الدار إلى مضيفة سودانية خالصة، تفيض بالودّ، والملاح، وعبق الضلّ الضافي.
لم تكن الدبيبات يومًا مدينةً كسائر المدن. هي من تلك الحواضر التي يُسكب فيها الجمال سكْبًا: تراثٌ معتق، وكرمٌ لا يُجارى، وسماحةٌ تعلّمت منها حتى الريح كيف تمرّ على القلوب قبل الوجوه. من زارها، يعلم أنها كانت، دومًا، فسحةً للطمأنينة ومرفأً للصفاء.
*لكنها دُنِّست.*
دُنِّست حين وطئتها أقدام مليشيا دقلو. أدخلوا إليها أبناءها وهم مقيدون بقيود الخوف والطمع، منذ أن خرج مأفونهم الأول، من دائرة الفعل ، (شريا ) ، وحتى آخر مرتزق تسلل من ثقوب الضمير. لا علم، لا فهم، لا قيم.
مجموعة من (عنقالة السوق)، وسائقي الركشات، و(مصارعي الحلبات)، تحولوا بليلٍ بهيم إلى “قادة ميدان”. عاشوا فسادًا في الأرض، ورووا للناس فصولًا من الانحطاط لم تُسمع حتى في عهد الجاهلية.
في (القوز) اليوم، تُروى قصص لا تصدق: يحتجزون أصحاب المال طلبًا للفدية، ينهبون منازل الفقراء، ويُقال – بلا مجاز – إن (جداد الحِلة) لم يسلم من بطشهم.
ولم يتوقف الخراب عند ذلك.
بل نكأت المليشيا جراح التاريخ، حين استغلت بعض أبناء قبيلة الحوازمة، ممن عاثوا في الأرض فسادًا. فدنّسوا أرض الجيران من الجوامعة والبديرية والنوبة، وقطعوا أوصال النسيج الاجتماعي، في تجاوز فاضح لكل عرف وتقاليد. سرقوا، نهبوا، بطشوا، وقتلوا، وشاركوا المليشيا في غزو أم روابة، والرهد ابو دكنة وشركيلا، وحتى أرياف الأبيض.
وهنا، لا بد من كلمة حقّ. لقد آن أوان العقلاء من الحوازمة أن يتحركوا، لا لدرء العار فقط، بل لرتق ما تمزق من نسيج كان ممزوجًا بالدم والملح والماء. عليهم أن يقدموا الاعتذار – الواضح، المعلن، والشجاع – لكل من تأذى من أفعال العاقين الذين أساؤوا باسم القبيلة وهم ليسوا منها.
فالقبائل ليست مظلة للمجرمين، بل هي سند للحق، وبوتقة للأعراف والشرف.
ونحن نختم، نرفع قبعات الاحترام لأهلنا النوبة.
الذين صبروا على حصار مدينة الدلنج، وكابدوا انقطاعًا كاملًا بينها وبين بقية السودان، دون أن يبادلوا الظلم بظلم، أو الحقد بحقد. لقد ضربوا أروع الأمثلة في الصبر، والكرامة، والتسامح.
في النهاية، القبائل ليست جزرًا معزولة. بل هي ضفائر دم متشابكة، وأنساب متداخلة، وصحون طعام مشتركة، و(مراح ضأنٍ) لا يعرف الحدود. يجب أن نعيد تلك الحقيقة إلى الواجهة.
*صوت الماضين… وشهادة الراحلين*
*مجادعة بين شيخ العرب وطه ود كين بصوت الراحلين من رموز الدبيبات*
*شيخ العرب يخاطب طه:*
يا طه اسمع يا ابن البلد.. الجرح للدار ما بِنْدَسّي
أم دلدق صاحت بالنوح.. ورهيد الفضاية بتبكي نَسِّي
الدبيبات قَامت فوق الرُكَام.. من الوجع تِهَجّي وتِحَسِّي
وين ود شريا الفي الفِتَن.. حَرَّض صَغيرِنَا والكِبَسِّي؟
*طه يرد:*
شيخ العرب لا تِفْتَح جُروح.. الناس قِدِّلتْ في العُتْمَة
والخَسَّه ما منّا أبدًا.. لا جدودنا ربُّوا في الخُزْنَة
أولاد أسوسه وعبد القادر.. كانوا سِتر البلد في الزَمْنَه
إن خان زول ما بِتْلِفّ القبيله.. الفيها شَرقَتْ وجَنَّه
*شيخ العرب يتحدث إلى روح الناظر الكبير:*
يا أسوسة الكبير البَكاكْ.. الدرب مرق من غير عِمَاده
الصياد جَاب الحق قدَّام.. والدبيبات غَنَت للسَّنَاده
الدُفوف دَقت من جديد.. والنصر هِبْرَة في الزِنَاده
بس القلوب العكرت لِسَّه.. ما لَقَت غُسلها في السَّدَاده
طه يرد بصوت الناظر:
أنتو خلُّوا سيرة الحِقد.. وارجعوا للضل فوق العِرقَه
النوبة سَمحين في الوَفا.. ما بِبيعوا الدم بالسَّرْقَه
الكرم أصلو من كردفان.. والحوازمة أخوان الحِقَّه
الضُل بيطيّب بالندم.. والبلد ما تُبنَى بالحِرقَه
*شيخ العرب يخاطب وجدان القبائل:*
قولوا للجوامعة والبديريه.. إنو الرَّبِيع جاي بالعَفُو
والملح البَينّا ما بيذوب.. لو حرقوا غِصْنْ أو حَصَدوا جُفُو
سودانّا في القلب المَكُوي.. نَزرع فَوقو من تاني صُفُو
نَعمِّر فوق أنقاض الخراب.. ونقُول المَسامِح كَرِيمْ
*طه يختم بالمجاز:*
التوب البَهْتَك ما بِرَقّعُو غير زُولْ عَافِي
واللِّي سَكَب دَمْ في القلوب.. يومًا بِسْقِي نَافِي
الدبيبات خَرجت من الظُل.. ولَبْسَت تاج الكَفَافي
والميلَه بتعدِل بالنَّظر.. لو العِزَّه بَقَت أهدافِي