خطة مارشال السودانية : مشروع دولة لا مجرد أمنيات

بقلم: عوض الله نواي

0 13

مدخل:

منذ عقود، والسودان يتأرجح بين أمل مؤجل وخيبة متكررة. سياسات مؤقتة، حلول هشّة، وقرارات تُبنى على مجاملة اللحظة لا على رؤية المستقبل. ثم يأتي الدكتور كامل إدريس، بخطاب مختلف، لا يقدّم فيه نفسه مرشحًا، بل يطرح مشروعًا لدولة تنهض من رماد الحرب والفساد، عبر كتابه “خطة مارشال السودانية”.*

 

وكما أعادت خطة مارشال الأصلية إعمار أوروبا من تحت أنقاض الحرب العالمية الثانية، يريد كامل إدريس أن يُعيد بناء السودان بموارده، بعقوله، وبإرادة أهله، لا بمعونات الخارج ولا بشروط المانحين.

 

قراءة في الكتاب: خمس ركائز للنهضة

 

الكتاب يُبنى على خمس دعامات واضحة، يراها الكاتب الطريق الواقعي نحو سودان جديد:

1. إصلاح الخدمة المدنية:

يدعو إلى إعادة بناء الجهاز الإداري على أساس الكفاءة لا الولاء، مطالبًا بوقف التوظيف السياسي، وإنهاء ظاهرة “الدولة العميقة” داخل الوزارات.

2. التحول إلى اقتصاد الإنتاج:

يطرح رؤية لإنهاء اعتماد السودان على الاستيراد والمعونات، من خلال دعم الزراعة الحديثة، وبناء قاعدة صناعية، وتحفيز القطاع الخاص المنتج لا الطفيلي.

3. الاستثمار في الإنسان أولًا:

يخصص فصولًا كاملة للتعليم والصحة، باعتبارهما قاطرتي التنمية الحقيقية، ويرى أن التنمية لا تبدأ بمصانع الأسمنت، بل بالعقول المؤهلة.

4. محاربة الفساد من الجذور:

يرفض إدريس ثقافة “التستر على الفساد باسم الاستقرار”، ويقترح مفوضية مستقلة للنزاهة، ومراجعة شاملة لقوانين المال العام.

5. السلام كمشروع عدالة:

في نقد واضح لاتفاقيات السلام المرهقة، يؤكد أن السلام الحقيقي لا يُصنع في الفنادق، بل في القرى والجبال، حيث يعيش من حملوا السلاح ومن دفعوا ثمن الحرب.

 

الكتاب كوثيقة سياسية

 

خطة مارشال السودانية” ليست دراسة اقتصادية أكاديمية، بل بيان سياسي وفكري يحمل في ثناياه مشروعًا لرجل دولة. فهو لا يستعرض المشكلات فقط، بل يقدم حلولًا تفصيلية، قابلة للتنفيذ، بلغة واضحة لا ضبابية فيها.

 

ولا يخلو الكتاب من نقدٍ جريء للنظام الإداري والسياسي الذي أنتج الحروب والانهيار، مع التزام عميق بوحدة السودان وعدالة قضاياه.

 

دعوة للجدية لا للتصفيق

 

كامل إدريس لا يطلب تصفيقًا، بل يدق ناقوسًا: إن لم نتحرك الآن، فالغد لن ينتظرنا. وإن لم نراجع جذور الدولة السودانية، فستظلّ تعيد إنتاج فشلها مهما تغيرت الوجوه.

 

مخرج : مشروع لا يحتمل التأجيل

 

إننا أمام مشروع واضح، يخرج من ضباب الأمنيات إلى صلابة التخطيط.

وإذا ما اختار رئيس الوزراء كامل إدريس تنفيذ هذا المشروع، فستكون تلك لحظة فاصلة في تاريخ السودان: لحظة نُبني فيها لا لنعوّض ما فات، بل لنبدأ ما لم يبدأ قط.

 

خطة مارشال السودانية” ليست مجرد كتاب… إنها عقد جديد بين الدولة والمواطن، مكتوب بالحبر السوداني، على ورق التجربة، ومُمهور بتوقيع الأمل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.