دولة مدراء المكاتب
يقلم: عوض الله نواي *مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام*
في السودان، لا يُقاس نفوذ الرجل بعدد قراراته أو مؤتمراته الصحفية، بل بمدى سلطة “مدير مكتبه”. نعم، فقد تحولت ظاهرة مدراء مكاتب الوزراء والمسؤولين إلى ما يشبه الدولة الخفية داخل الدولة، سلطتها غير منتخبة، ونفوذها لا يمر عبر القوانين بل عبر الهاتف و(اللفة)!
ومنذ ميلاد الدولة الوطنية بعد الاستقلال، ظل السودان يتخبّط في درجات الفساد، حتى احتل المراتب الأولى عالميًا، لا بسبب كبار المسؤولين فحسب، بل بسبب الطحالب الإدارية التي تنمو حولهم وتعيش على عرق الشعب، دون أن تنتج شيئًا سوى الشبكات والمجاملات وصفقات “الكتمان”.
مدراء المكاتب: دولة داخل الوزارة
المدير الذي كان يُفترض أن يكون همزة وصل بين الوزير والناس، صار هو الحاجب والبَوّاب والوزير الفعلي.
ترِد عليه الخطابات، فيُجمّد ما لا يُعجبه، ويُمرر ما يخدم مصالحه، يرفع من يشاء ويقصي من يشاء، ويوزّع وعود التوظيف كأنها (صحن فتة في عزومة).
صار بعضهم وكيل دولة في الظل، يُحدّد من يقابل الوزير، ومن لا يستحق، ومن تُفتَح له أبواب التمويل، ومن يُدفن طلبه تحت جبل من الورق.
شَبَح الوظيفة العامة
في كثير من الحالات، لا يملك الوزير الجديد سلطة حقيقية إذا لم يُبدّل مدير مكتبه. فالرجل الذي ظلّ يقود المكتب في عهد الوزير السابق، يحمل معه شبكة من المصالح والعلاقات، ودفاتر “الجميل” و”المعروف”، وتُدار الوزارة كلها من خلال نظام المقايضة بالصوت الخافت.
وهكذا، نكون أمام طبقة جديدة، لا هي تكنوقراط، ولا سياسيون، ولا موظفون مهنيون، بل مجموعة من المتسلّقين بلا وصف وظيفي واضح، ينخرون مؤسسات الدولة من الداخل.
رسالة إلى الدكتور كامل إدريس
السيد رئيس الوزراء كامل إدريس، إن كنتم بصدد بناء دولة قانون ومؤسسات، فإن أول معركة يجب أن تُخاض هي تفكيك دولة مدراء المكاتب.
إنها دولة تُدار بالتحيُّل والمحاباة، لا يعرفها الدستور، ولا يُراجعها ديوان المراجع العام.
نقترح عليكم إصدار مصفوفة إصلاحية تشمل:
• دور محدد لمدير المكتب، لا يتجاوز التنظيم الإداري دون التدخل في القرارات.
• إبعاد كل من ثبت تورطه في عمليات الوساطة أو العرقلة أو التلاعب بالملفات.
• مراجعة الهيكل الإداري داخل مكاتب الوزراء بتكوين لجان نزاهة مستقلة.
• استحداث آلية رقابية لمتابعة أداء مدراء المكاتب وقياس تفاعلهم مع الجمهور.
مخرج : لا إصلاح بدون إزالة “الظل”
لا يمكن أن يُبنى السودان، بينما تتحكّم في مصيره عصابة بيروقراطية تمتهن المكاتب وتُغلق الأبواب في وجه التغيير.
فمن أراد بناء المستقبل، عليه أولًا أن يكسر الأبواب الخفية، ويكشف من يقف خلف الستار.
فيا دكتور كامل، ابدأ من هنا. من داخل المكاتب، حيث تُطبخ القرارات، وتُدفن العدالة، وتُباع الوظائف كما يُباع السكر في السوق الأسود.