تمدد الجيش وانكسار المليشيا

بقلم : عوض الله نواي

0 34

من القصر إلى فيافي كردفان: بداية الطغيان ونهاية الزيف

في الخامس عشر من أبريل، تفجّرت الحرب من خاصرة الوطن، حين تمردت مليشيا الدعم السريع، لا ضد خصم خارجي، بل ضد الدولة التي أنتجتها ورعتها. في ساعات معدودات، استولت على مواقع حساسة كانت تحرسها، فاحتلت القصر الجمهوري، ومحيط القيادة العامة، ومطار الخرطوم، قبل أن تمد أطرافها كالأخطبوط صوب طيبة الحسناب والصالحة، حتى بلغت الجزيرة وسنار وجبل موية، فالنيل الأزرق والجيلي على مشارف شندي.

 

لكنها لم تكن مجرد حركة تمرد، بل كانت عاصفة نهب وترويع ودمار. فقد شردت المليشيا ملايين السودانيين، وسرقت الممتلكات، وقتلت المدنيين العُزّل، ولم تتورع عن ارتكاب أبشع الجرائم من اغتصاب وانتهاك للحرمات. فمارست في الأرض فسادًا فاق الوصف، وسقط قناع “القوة المساندة” ليظهر وجه الاحتلال البدوي الدموي.

عودة الروح: حين نهضت الجموع من رماد الحريق

استفاقت الدولة من صدمتها، وبدأت مرحلة الترتيب العسكري، فدخلت القوات المسلحة على الخط بثقلها الكامل، وظهرت التكوينات الوطنية المقاومة من كتائب درع السودان، والبراؤون، والمقاومة الشعبية، والقوات المشتركة من حركات الكفاح المسلح، فاستعاد الميدان بريقه الوطني، وبدأت آلة التحرير في الدوران.

اليوم، تدور رحى المعارك في عمق كردفان، من الخوي حتى الدبيبات، حيث تسطر القوات المسلحة وأخوانهم ملاحم بطولية وتحقق انتصارات متلاحقة، مستعيدة المدن والقرى شبراً شبراً. في هذه المناطق، فَقَدَت المليشيا أحد أكبر تشكيلاتها في معركة الخوي، حين دُحرت قوة من المستجدين دُفعت بهم إلى المحرقة بلا تدريب ولا عقيدة سوى النهب.

جنجويد الأسواق: من المطابخ إلى الغنائم

م يعد القتال قتال جنود، بل قتال لصوص محترفين. فالمليشيا التي دخلت المدن كانت تفتح الأسواق لبيع أثاث المنازل والمطابخ المسروقة من الخرطوم ومدن اخري ، ومن أشهرها سوق الضعين، الذي صار واجهة لغنائم الحرب القذرة. إنها المليشيا الوحيدة في تاريخ الحروب التي تقاتل لا لتحرير أرض، بل لبيع ثلاجة وسرير وسجادة!

الزمن انقلب: من المباغتة إلى التراجع

إنخفضت وتيرة المعارك في الفاشر، وتراجعت هجمات المليشيا إلى مجرد قصف عشوائي، وأصبحت تعول على تدوينات اليأس من أنصارها في الخارج، بعد أن خمد حماسهم وانكشفت الأكاذيب. لم يعد الشارع يتفاعل مع دعايتهم، وانكشف زيف الرواية.

ما تبقّى من قواتهم هو القليل، وما تبقّى من مشروعهم أقل. إنها لحظة الاحتضار، وها هو الجيش يتقدم بلا توقف.

ما المطلوب الآن؟

1. تماسك الجبهة الداخلية: الوعي الشعبي هو الحصن الأول. لا مكان للتشكيك في المعركة، فهي معركة وجود لا سياسة.

2. تفعيل الأدوات الاستخباراتية: لتحييد ما تبقى من مقاتلين مغرَّر بهم في صفوف المليشيا، ممن يمكن اختراقهم أو إعادة تأهيلهم.

3. رفع وتيرة الإعلام الحربي: ليواكب الانتصارات ويكسر التشويش.

4. تحصين المدن المحررة أمنيًا وخدميًا: حتى لا تتحول إلى عبء أو ثغرة جديدة.

في لحظة فارقة كهذه، حين يتهيأ الوطن لاسترداد أنفاسه، يكون على كل فرد، وكل مؤسسة، أن تؤمن بأن النصر ليس فقط في التحرير العسكري، بل في تجفيف المنابع الفكرية والمالية والسياسية للمليشيا، وتحويل الميدان إلى محراب للوطن، لا ساحة للصوص.

فيا من زرعتم الرعب والخراب، هذا الوطن لا يُؤكل من أطرافه.

وسيكتب التاريخ أن السودان، وإن تأخر، انتصر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.