الخوي: المدينة التي بكاها طريق الإنقاذ وافتدتها الدماء
بقلم : عوض الله نواي *مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام*
الخوي، تلك المدينة الواقعة على طريق الإنقاذ الغربي بين الأبيض والنهود، لم تكن يوماً موقعاً جغرافيًا عاديًا، بل كانت محطةً تنبض بالوطن وتبكيه. في صباح 13 مايو 2025، تحولت الخوي إلى ساحة من نار، بعدما اقتحمتها مليشيا الدعم السريع المرة الثانية بعد دخول القوات المشتركة وتحريرها بترسانة تجاوزت 800 مركبة قتالية موزعة على تسعة متحركات، عازمةً على كسر شوكة الصمود في كردفان. لكنها لم تكن تعلم أن المدينة قدّمت أبناءها قرابين للعزة، فارتدت نارها رمادًا، ودفنت غزاتها في التراب الذي حسبوه رخوة.
الخراب الذي خلّفته المليشيا
حين دخلت المليشيا، لم تطرق أبواب المدينة بل فجّرت، لم تنادِ على أهلها بل داهمت، لم تطلب الماء بل لوّثت.
تم تدمير منشآت الكهرباء، واحترقت أجزاء من سوق المدينة، وتمت مداهمة منازل المواطنين ونهبها، حتى مسجد الخوي العتيق لم يسلم من طغيانهم.
كانت المليشيا تطارد الحياة نفسها في شوارع المدينة.
ولأن التاريخ لا يُكتب فقط بالرصاص، بل بالوجدان أيضًا، فإن الخراب هنا لم يكن في البنية فقط، بل في الأرواح أيضًا. وكأن صدى الشاحنات التي مرت بالخوي ذات يوم، عادت معلنًة قدوم رحلته بل مشيّعًة مدينة إلى ليل الحريق.
وكانها تنشد مع الذي فقد حبيبته
“القطار المر فيه مر حبيبي
بالعلى ما مر يا الشلت مريودي
في الرصيف مستني وللثواني أحاسب
أمتى يظهر نورو الليه ديمة أراقب”
اللوري حل بي دلاني فوق الخوي: من الحنين إلى الحريق
لم تكن الخوي مجرد مدينة على الطريق، بل موضع تعلق وجداني حمله أبناء كردفان في دواخلهم.
ولعل الشعر الشعبي اختزل هذا المعنى كما لم تفعل الصحف ولا الخطب، فغنّى أحدهم يومًا:
أييي الحرير الطي السيسبان الني
الجابني ليك زمان وأنا برضي بيك ولهان أنا
اللوري حل بي دلاني في الودي
يا الزارعنك في الصريف الناريا بسقيك بلا خريف
كان ما الصبر تكليف الناريا من بيتكم ما بقيف
اللوري جا منقل الناريا وشايل قزاز الخل
أموت ويدفنوني الناريا قدام شركة الشل
في هذه الأبيات، تتجلى الخوي كما كانت: موطنًا للحب والمواعيد، لا ساحات للاجتياح.
تلك شركة شل ليست مجرد اسم عابر، بل رمزٌ لـ”زمن جميل” كانت فيه المحطة مقصداً للتزود بالوقود والسفر واللقاء، لا مسرحًا للدمار.
حينها، كان اللوري وسيلة حب لا حرب، يحمل “قزاز الخل” لا قذائف، يُنزل ولهانًا لا غازيًا.
لكن المشهد تبدل.
في مايو 2025، جاءت اللواري لا لتسقي ناريا، بل لتحرق المدينة، لا لتحمل زجاج الخل بل قذائف الهاون، ولا لتدلّ على الحب بل على طريق الخراب.
نفس الطريق، نفس المحطة، ولكن شتّان بين من دلّه الهوى ومن دلّه الطغيان.
الخوي تقاوم: صوت المشتركة يعلو
لكن المدينة لم تكن وحيدة، فقد تصدّت لها القوات المشتركة المؤلفة من حركات الكفاح المسلح والجيش النظامي، بقيادة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فسطّروا ملحمة الصمود في الخوي.
متحرك الصياد، والسيف الباتر، والطوفان الثالث، وغيرها من المجموعات، خاضت معركة شرسة على مدى أربع وعشرين ساعة.
تم تدمير أكثر من 43 عربة قتالية للمليشيا، واستلام 83 مركبة، وقتل ما لا يقل عن 800 مقاتل من عناصر العدو، في مشهد وصفه القادة بأنه “أكبر فزع للمليشيا منذ بدء الحرب”.
طريق الإنقاذ يبكي والخوي تقاوم
الخوي محطة في طريق الأنقاذ الغربي وُلدت وتشبعت بذاكرة السودانيين عن الفقد واللقاء، لكنها اليوم تكتب دورها الجديد في مسرحية البقاء.
مشهد اللواري في محطة الخوي، الذي كان ذات زمن ينبئ بقدوم الأحبة، بات اليوم يرمز إلى وداع الشهداء الذين مرّوا في توابيت مفتوحة، ملفوفين بالعلم، بينما تهتف الحناجر
يا اللوري تدشدش
يا الشلت مريودي
صاغ شاعرنا حياة المحطة شعراً مقفي
فصار الجماد بروح ملتهبة تُحرق وتدمي”
شخير اللواري ولون الدم ورائحة الدخان
الخوي لم تسقط، بل وقفت كالقنطرة بين الغزاة ودارفور، دفع فيها الرجال دماءهم لتصمت مدافع الخراب.
ما حدث في الخوي ليس مجرد معركة، بل وصية وطنية تقول:
“هنا يبدأ الفتح… وهنا تنتهي أحلام الطغاة.”
وإذا كانت المليشيا قد أرادت للخوي أن تكون جسرًا للتمدد، فإن القوات المشتركة جعلتها مقبرةً لأطماعهم.
فاللواري التي مرّت يومًا بالمدينة، صار اليوم شاهداً على الدماء التي افتدت الأرض، وهو نفسه الذي سيحمل غدًا بشائر النصر من الخوي إلى السودان.