التفاوض على جثث السودانيين… هل يُصافح الجرح من أشقاه؟
بقلم : عوض الله نواي *مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام*
في هذا الوطن الذي ينزف من كل أطرافه، لا يزال البعض يصرّ على الترويج لأكذوبة التفاوض مع القتلة، وكأن التاريخ لا يحفظ الذاكرة، وكأنّ الدم لا يصرخ.
أيُّ منطقٍ هذا الذي يريد لنا أن نجلس إلى طاولة واحدة مع من مزّق أحشاء الوطن، وخرب بنيته، وسفك دماءه باسم “الديمقراطية”؟!
المليشيا التي يتغنون بالتفاوض معها، هي ذاتها التي فجّرت محطات الكهرباء في سد مروي وعطبرة، لا لتُربك المعركة، بل لتُطفئ النور في بيوت الأبرياء.
دمرت منشآت البترول، وأحرقت المرافق الحيوية، واستهدفت مخزون الدولة من الطاقة، وهي تعلم أن من يحكم الرمق الأخير في جسد الاقتصاد، يحكم رقاب الناس.
أحالت المدارس إلى ثكنات، والمستشفيات إلى أهداف مشروعة، وقصفت السجون بالطائرات المسيّرة، في رسائل صريحة تقول: لا أمن بعد اليوم… لا قانون بعد اليوم… لا حياة بعد اليوم.
ثم، والأنكى من ذلك، أجتاحت دار حمر، وأهانت أميرها عبد القادر منعم منصور، في مشهد لم يُقصد به مجرد الاستفزاز، بل إذلال التاريخ، ومسح الكرامة بطين الخيانة.
هل ننسى أن قائد هذه المليشيا – الذي يدعوننا للتفاوض معه – أصبح بلا كبد؟
تآكل كبده بفعل اللتهاب الكبد الفيروسي ، نعم، ولكن قبل ذلك كان هو نفسه الفيروس الذي أكل أكباد السودانيين في الجزيرة، وديار الجموعية، وأرض المساليت، وجبال النوبة.
توجه إلى أحد مستشفيات شرق آسيا، فقيل له: تأخرت. نعم، تأخرت… كما تأخرت العدالة في ملاحقتك، وكما تأخر القصاص من مليشياك التي مزّقت البلاد.
عن أي تفاوض يتحدث هؤلاء؟!
التفاوض على ماذا؟ وعلى من؟
على جثث السودانيين الملقاة في العراء؟
على أعين الأطفال التي نامت على صور جثث متناثرة؟
على أشلاء الأبرياء التي جرفتها الطائرات المسيرة بدون رحمة؟!
من ينادي بالتفاوض، فليدخل إلى بيوت النازحين، إلى معسكرات العراء، إلى مستشفيات بلا دواء، وقرى بلا سقوف، وليسمع من الناس لا من السماسرة.
لا تفاوض مع قاتلٍ يبتسم لضحاياه.
لا مصافحة لمن سالت على يديه دماء جموعية وبديرية ومساليت ودار حمر.
لا عفو لمن أباح أعراض بنات السودان باسم الديمقراطية وهو الهزيمة ذاتها.
التفاوض الحقّ، يبدأ من المحكمة لا من المساومة.
ومن أراد سلامًا حقيقيًا، فليحضر إلى منصة العدالة الدولية، لا إلى موائد الخديعة