ما بين خيانة قوش وحديث دقاش

بقلم : عوض الله نواي *مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام*

0 54
  1. ما في زمنٍ تصطك فيه مفاصل الدولة بين خيانة بعض أبنائها وتكالب الأعداء، لا بد أن نقف لحظة تأمل: كيف يتحوّل جهاز أمن الوطن إلى تاجر صمغ؟ وكيف يَسِمُ رجل دولة تاريخه بسوء المصير، بينما ينتظر الناس أن يكون حارسًا لأسرارهم لا سارقًا لأحلامهم؟

 

صلاح قوش، الاسم الذي كان يومًا يُرهب الناس، ويُنطق في المجالس همسًا، خرج من الباب الخلفي لتاريخ السودان لا بطلاً ولا شهيدًا، بل كتجسيد للغدر حين يمتزج بالسلطة. سرق الوطن كله، ليس مالًا فقط، بل لحمه، وأذلَّ الناس، وسجن الضعفاء، واعتدى على النساء، ونسج خيوط المهانة حول رقبة الدولة، لا لينقذها، بل ليخنقها.

 

ولم يكن حديثي عن قوش يومًا انطلاقًا من خصومة شخصية، بل من تجربة واقعية ومريرة. فقد أسّست في العام 2002 أول شركة مساهمة عامة لإنتاج وتجارة الصمغ العربي، كان مقرها مدينة الأبيض، وضمّت أكثر من خمسة آلاف مساهم من عامة الشعب. كانت تجربة رائدة، تمثل انبعاثًا جديدًا لاقتصاد محلي عادل، يوزّع الربح بين الناس لا على حسابهم.

 

لكن كعادة المركز، بسطت السلطة يدها الباطشة، واحتكرت تصدير الصمغ لصالح شركة الصمغ العربي، لتُغلق أبواب السوق في وجه من يحاولون بناء مؤسسات مستقلة. وحين اشتد الخناق، فتحت إدارة جهاز المخابرات العامة، في عهد صلاح قوش، باب تصدير الصمغ العربي، لا حبًا في التجار، بل كي يبتلعهم.

 

تردد البعض، لكنني أدير شركة جمهور، ومنطقها محكوم بقرارات المساهمين. فقرّر مجلس الإدارة أن نبيع لصالح جهاز قوش. نعم، بعنا له أكثر من خمسة آلاف طن من الصمغ، عبر بنك وسيط، وبتمويل مباشر من شركة ترهاقا، التابعة لصندوق الضمان الاجتماعي.

 

*أنا من سلّمت قوش الصمغ، لا العكس.*

*أنا أملك السلعة، ولم آتِه طامعًا.*

لكن حين طالبت بحقي، قلت له في مجلس واضح:

*“كل ذي عاهة جبّار.”*

فما كان منه إلا أن أودعني السجن.

 

ومنذ تلك اللحظة وحتى يومنا هذا، لا تزال شركة وادي كوك، التي يملكها خمسة آلاف سوداني، لها أموال معلّقة في ذمة قوش وأعوانه، دون أن يرجع منهم أحد إلى ضميره أو عدالته ـ إن كان يعرف لها بابًا.

 

وحين غبت، لم يكن غيابي هروبًا، بل كان نُضجًا في التكوين. خرجت من الميديا ودخلت عالم الاستثمار، ومن تجربة الصمغ إلى التعدين، ومن قاعات المحاكم إلى منابر الصحافة. وعدت، وأنا أحمل وطنًا في صدري، لا ثأرًا شخصيًا. أسّست “One Press”، ليس من باب الترف المهني، بل لأمنح صوتًا لهذا الشعب، ضد كل قوش جديد، وضد كل قمع مُقنّع.

 

النهود، مدينة الوجع والوجدان، كتبتُ عنها:

عاشق راحل وأرض موجوعة،

وكتبت أيضًا بين الحنين وجرح القلب،

لا لأُدلّي بحبرٍ متماسك فحسب، بل لأُعلن أن القلم لم يمت، وأن من عاد، عاد ليبني، لا ليتواطأ.

 

ولم أعد وحدي، بل عدتُ وفي داخلي ميراث رجلٍ اسمه الصافي نواي، ذلك الذي حمل لقب سفروق، لا لشيء سوى أنه كان حاضرًا دائمًا في مواقف الناس الكبرى. كان إذا غاب، لا يُبتّ في شأنٍ بدونه، وإذا حضر، صمتت الأصوات لتُصغي إلى حكمته.

 

الوالد، رحمه الله، درس في مدارس أم روابة، وكان قاب قوسين أو أدنى من دخول كلية غردون لولا أن والدته ـ رحمها الله ـ منعته من السفر إلى العاصمة. ترشح لمجلس الشعب في انتخابات 1964، وخاض معركة ديمقراطية نزيهة، وأدخل لأول مرة “المزياع” إلى أبوجبيهة، فصار صوت العالم يأتي عبر متجره إلى الآذان المتعطشة للمعرفة.

 

كان تاجرًا بارعًا، وصاحب رؤية في تجارة المجوهرات والبضائع العامة، وصاحب اشتراك في مجلات دولية تُرسل إليه عبر الطرود البريدية، ومنها مجلة “هنا لندن”. وكان في منطقته من يوقّر العلم، ويُبجل الكلمة، ويعرف متى يصمت، ومتى يقول: “زي بعضه”.

 

فما بين خيانة قوش، وحديث دقاش، وسيرة الصافي نواي، يتبيّن لنا الفرق بين من خان البلاد، ومن صانها، بين من جمع الثروة على أنقاض الدولة، ومن عاش شامخًا دون أن يطلب من الدولة شيئًا سوى أن تظل قائمة.

 

*رحم الله والدي، وأسأل الله أن يجعل سيرتنا امتدادًا لخطى من صدقوا، لا من خانوا.*

*وليعلم الجميع: الغياب من أجل البناء، أشرف من حضورٍ مشبوه.*

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.