النهود.. عاشقٌ راحلٌ وأرضٌ موجوعة

بقلم: عوض الله نواي

0 27

في تحقيق صحفي بنكهة الحنين والحسرة، نرصد حكاية منسية من عمق بوادي دار حمر، حيث الحرب لم تكتفِ بحصد الأرواح وتخريب المدن، بل فرّقت بين القلوب والعشاق. هناك، في أقصى الغرب، يسرح راعٍ يُدعى “ود الأسيد” بضانه على أطراف الصحراء، وقلبه مشدود إلى محبوبته “أم شامة”، التي اضطر إلى مفارقتها حين اجتاحت المليشيا مدينة النهود.

 

مدينة النهود، التي كانت تُعرف بسوقها العامر، وصوت مغاربها في الليالي الرطبة، باتت اليوم أرضًا دامية تحت وقع التمرد والفوضى. وفي لحظة حنين، يطلق ود الأسيد زفرته الشعرية، في دوبيت يختصر لوعة الرحيل:

 

«قطر السبت يوم شال

شال المنقه وبركب في السطوح نشّال

ديف أمات حقو المِن الأنيس جفال

عليهو بسوي قوقاي القمري في الجوكال»

 

أغنامه أمامه، والصحراء من خلفه، لكن روحه تظل تحوم فوق تراب النهود. يقول وهو يشير إلى البعيد: “كانت هي هناك، والمدينة كانت عروسًا في فستان المطر”. ثم يردد:

 

«يا نهداتاً طاب نسيمه وحالي

بغني عليك والحرب كسر بالي

ساعة الفرقة خلت الدمع سايل

وكنتي عزيزة من جميع أهالي»

 

وفي مشهدٍ غير مرئي، كأنّ الريح نفسها حملت صوتًا من جهة النهود، جاءت مجادعة “أم شامة”، صوتًا من خلف الحصار:

 

«يا ود الاسيد الليل طويل وموحش

دربك بعيد وموجعة فيني الوحشة

بي جرح الفراق صار في خفوقي الهشّة

ليه تتركني وسط النار وقلبي يخشّه

 

يا ود الاسيد طوّل غيابك عنّي

والقلب من بعدك ضناه التمنّي

ما عارفة يا راعي متين بتهنّي

تشفي وجع روحي وترجع تغنّي»

 

فيرد الراعي بصوت متهدج، يقاوم فيه البكاء:

 

«يا أم شامة في بعادك عيوني جفاها النوم

وبدور طيفك الديمه بلاقيهو نجوم

قلبي العاشقك لي شوفك دوم محروم

لكن راجع ليك وما بدوم مظلوم

 

يا أم شامة مهما الحرب بقت تدوم

بصبر والرجوع ليك عهدي محتوم

ما دام حبي ليك ساكن جوا القلب معلوم

راجعين يا بلادي وطيفك باقي معصوم»

 

في حديثه معنا، قال: “الراعي ما بيبكي، لكن لما تكون محبوبتك محاصرة والمليشيا واطية بلدك، تبكي الحجر لو كان عندو قلب”.

 

وختم الراعي حديثه بدوبيته الموجع:

 

«النهود يا درباً أبينا نسيبو

فراقك أدمع العين زايد سكيبو

كنتِ واحة خضرا وصبحاً طليبو

ساعة الحرب خربك ومن غلبنا نجيبو؟»

 

*النهود لم تكن مجرد مدينة، كانت رمزًا لحياة آمنة، وعنوانًا للجمال في قلب دار حمر. والآن، تبكيها القصائد، ويذرف عليها الرعاة دموع العاشقين في بواديهم، في انتظار أن تعود لهم أرضهم، وتعود إليهم “أم شامة”… وتعود الحياة*

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.