حسنا .. وكما أسلفنا في الحلقة السابقة أن خطة (برنارد لويس) لا تستهدف إقامة دولة نوبية في السودان فحسب بل تستهدف كذلك إعادة هندسة الحدود السياسية لكل من مصر والسودان لصالح تقوية دولة إسرائيل. ثمة هدف آخر ، فبالطبع ومن ضمن ما تستهدفه هذه الخطة هو إستئصال شآفة المشروع السياسي للمركزية العربية الإسلامية والتي تمثل المركز العروبي في السودان وهي التي قادت الشعور القومي في السودان للتضامن دوما ضد إسرائيل. المشروع السياسي للمركز العروبي في السودان لا يشمل الإنقاذ ومكوناتها فحسب (وإن مثّلت الإنقاذ في الحقبة قبل ثورة ديسمبر رأس رمحه وآلته الحادة) بل يشمل كافة قوى الحركة الوطنية السودانية ما بعد الإستقلال وهو ما سوف نسهب حوله في سلسلتنا القادمة (آيديولوجية المركز العروبي في السودان.. كيف تشكلت وكيف أنهت حرب الجنجويد صلاحيتها!! ؟.). إن المشروع العمسيبي هو طعم لذيذ جدا أو كمين إستراتيجي لإستدراج الشمال النيلي تحت شعارات النقاء العرقي والثقافي (وحدة الإطار الثقافي الاجتماعي) وهذا الأمر لا يعدو سوى أن يكون تبسيطا للحقيقة وهي أن تناقضا أساسيا يقوم بين تياري الأصل الكوشي ومركزية العربوسلامية (الأصل العباسي). لقد تم إختيار شخصية المتحدث بإسم هذا المشروع (الأراجوز) بعناية ، فهو منتزع ضمن الإطار الثقافي الإجتماعي للمركز العروبي الذي يدعي النسب (العباسي) وليس من دعاة الأصل الكوشي الذي ينطلق من الإطار الثقافي الاجتماعي النوبي. وبالطبع هذه إستراتيجية مستهلكة ومكشوفة في توظيف الترميز التضليلي لتحقيق إحتواء مزدوج لإكتساب جمهورين.. النوبيون من النهريين ممن سوف يحقق المشروع أشواقهم، والعروبيون الذين يقود ممثليهم الأطروحة إعلاميا وسياسيا!!!. بالطبع يراهن البهلوان الأجنبي على ضعف الملكة الإستراتيجية لغريمه (المركز العروبي في السودان) لتمرير هذا المشروع وقد فشل هذا الأخير في منع تسجيل عديد النقاط من قبل البهلوان سواء الدولي أو الإقليمي في كل إستحقاق خاضه معه إبتداءا من شق الإنقاذ ثم فصل الجنوب ثم حرب دارفور إلى إسقاط مشروعه السياسي في ٢٠١٩ ، ومن بعدها أتت هذه الحرب على عقابيل كافة الأخطاء سالفة الذكر. ولطرافة الأقدار يريد البهلوان كرة أخيرة سوقنا إلى الماسورة ونحن له طائعون!!.
في منتصف يوليو ٢٠١٩ وبعيد (بضم الباء) سقوط نظام الإنقاذ في بلادنا، وفي خضم جولة حوار بين قوى الجبهة الثورية السودانية وممثلي قوى الحرية والتغير بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا هبط عليهم بفندق راديسون قادما من لندن شخص يدعى محمد مشارقة فلسطيني الجنسية، وبعدها مباشرة أصدرت الداخلية الإثيوبية أمرا بطرد د. جبريل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة السودانية موصوما بإسلاميته السابقة وقد تناهت للأسماع أنذاك أن ما حدث كان أحد أحابيل هذا المدعو مشارقة الذي قيل إنه أحد أذرع محمد دحلان مستشار الشيخ (محمد بن زايد) للملف السوداني. بعدها بعدة أشهر هبط نفس الرجل وبصحبته شخص آخر يدعى على الهندي (يمني من أصول إرتيرية) بمدينة جوبا عاصمة دولة جنوب السودان في نهاية العام ٢٠١٩ إبان إحتدام جولات التفاوض التي أفضت لإتفاقية جوبا للسلام قادمين كذلك من لندن. هذه المرة كان الرجلان يحتقبان رؤية سوف تقلب مسار جولات التفاوض رأسا على عقب. فلقد قدّم الرجلان بإسم مركز تقدم للسياسات (Progess Centre for policies) وهو مركز بحثي مقره لندن، أقول قدّما رؤية تقسيم مجموعات الحركات التي تتفاوض مع حكومة السودان إلى خمسة مسارات. مسار دارفور (يشمل ولايات دارفور الخمس) ومسار الشمال (يشمل نهر النيل والشمالية) ومسار الوسط (يشمل الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض والنيل الأزرق وسنار) ومسار الشرق ويشمل (البحر الأحمر والقضارف وكسلا) ومسار المنطقتين وَيشمل (النيل الأزرق وجنوب كردفان وغرب كردفان). حسنا..فلنرجع لمركز تقدم للسياسات..من أين أتى كنبت شيطاني!!؟. ومن الذي سمح له بالتدخل؟.وبالتمحيص في علاقات هذه المركز ونشأته ومؤسسيه فسنجد أن أهم مسيريه هما الفلسطينيان محمد مشارقة (مهندس مدني) ود. نهاد خنفر (متخصص في الدراسات الإنسانية) ومعهما الاعلامية من جنسية سودانية جدية عثمان (!!!!) المذيعة السابقة بتلفزيون السودان وآخرون. الأوائل هما من كوادر فتح التي تأثرت بالصراع بين كل من الرئيس محمود عباس أبو مازن ومحمد دحلان والذي بعدها خرج هذا الأخير مغاضبا ليصبح مستشارا للحكومة الإماراتية (بل مستشارا لمحمد بن زايد بالذات). مشارقة وخنفر كانا ضمن ثلة كوادر فتح التي مالئت دحلان وبله خرجت معه ولكن ليس إلى أبوظبي بل إلى لندن، كي تؤسس الإمارات العربية المتحدة مركزا بحثيا باسم المركز العربي الأروبي بمجلس إدارة يرأسه الإماراتي على النعيمي بتمويل أولى بلغ مليون ونصف المليون دولار. إنبثق من هذا المركز مركز بحثي آخر يختص بالسياسات أسمي بمركز تقدم للسياسات. إذن هنا تكمن العقدة، فهل من أحد في إحتياج للإتيان بدليل لمعرفة علاقة دحلان ومجموعته بالمخابرات الإسرائيلية!!؟ لا اعتقد. حسنا.. فلنرجع للمسارات وإتفاقية جوبا، فهل من أحد يمتلك نصف بوصة من عقل في رأسه في إحتياج لدليل آخر بأن المسارات الخمسة الواردة في إتفاق جوبا بعد كل هذا الذي سقناه هي نفسها خارطة (برنارد لويس) التي عملت إسرائيل بأظافرها كي تحيلها لواقع وهاهي تجد فرصتها الان وقد إستحال السودان منذ إنفصال الجنوب وانفجار دارفور منخفص (سياسي) في ظل تضعضع وضعه الجيوبوليتيكي والغياب الإستخباري وإنهيار مؤسساته الإستراتيجية (بل عدم وجودها بالأساس) حتى ما قبل سقوط الإنقاذ!!؟. إذن لقد شرعنت إتفاقية جوبا للسلام خارطة (برنارد لويس) وخلقت لها إطارا سياسيا دستوريا (الإتفاقية أصبحت جزء من الوثيقة الدستورية وسوف تصبح كذلك جزء من الدستور القادم). وهكذا كي نعلم قدر الفجيعة التي يعيشها السودانيون جراء ضحالة نخبتهم الإسلامي منها واليساري .. نخبة بلا إستثناء نصفها المخلص غبي ونصفها الذكي عميل خؤون!!!!. ثمة ملاحظة ، فلقد تلاحظ أن كل مسار في إتفاق جوبا أختيرت له أطراف مفاوضة مقابل الطرف الحكومي ولا ندري كيف تم إختيار هذه الأطراف ، ونحن بالطبع نتفهم اختيار أطراف مسار دار فور والمنطقتين وحسب. ولكن فيما يتعلق بمسار الشمال فلقد تم إختيار جسمين هما حركة كوش وكيان الشمال!!!. إن إختيار حركة كوش بما لا يفوت على فطنة أحد هو خيار يتماشى مع الفزلكة التي سقناها أعلاه ولتحقيق الأهداف التي جلوناها فيما سبق بما لا يفوت على فطمة أحد كذلك. أرجو أن لا يفهم أن هذا الكاتب ضد الإتفاقية (في عضمها) كمخرج لقضية الحرب ولكني أقف مشرٍحا منهج الإتفاق كي أضع أمام أعين السودانيين مخطط تقسيم بلادهم وإضعافها تمهيدا لإلتهامها ولله المثل الأعلى. إذن يأتي المشروع العمسيبي في هذا السياق وهو ما سوف نسهب فيه في حلقتنا القادمة.. نواصل.
الأحد .. الخامس من يناير 2025 .