في مبتدأ سبعينيات القرن الماضي صدم د. مهاتير محمد المجتمع الماليزي بكتابه الذي دخل به للصالون السياسي هناك (المعضلة الماليزية) Malay Dilemma ، وقد تميز الكتاب بلهجته التقريعية الحادة صوب سلوك ونمط حياة الشعب المالاوي (د. مهاتير قومي مالاوي التوجه السياسي) متهما إياهم بالكسل والإستهانة بقيمة العمل والتعليم والركون لوسائل العيش السهلة المجانية بما حباهم الله من أنهار وغابات تاركين الفرصة للجماعات الوظيفية من الهنود والصينيون الذين نتيجة ذلك سيطروا علي الإقتصاد الماليزي. وجد غرماء مهاتير(معظمهم من حزبه UMNO) الكتاب فرصة للهجوم عليه متهمين إياه بإهانة الشعوب الأصلية بالبلاد وعدم تقدير السياق الثقافي والإجتماعي لها والذي يختلف عن المهاجرين من الصينيين والهنود. لغرابة الأقدار وبعد عقد من ذلك (١٩٨١) أصبح د. مهاتير محمد رئيسا لوزراء ماليزيا وأكثر الزعماء إحتراما وتأثيرا في منطقة الآسيان (Asean) – بل العالم أجمع- إلى جانب الزعيم السنغافوري لي كوان يو والزعيم الصيني دينق شياو بينغ. وكذلك نحن السودانيون يبدو أننا في أمسّ الحاجة لجرعة مهاتيرية من التقريع والإستفزاز والنقد عسى أن يتحمل وجداننا بعض ذلك كي ننهض من غفوتنا و(سبهلليتنا) كما نهض الماليزيون كي نصنع ولو ربع ما صنعوه ونحن نعيش في بلد يزخر بعشرين ضعفا َمن الموارد التي تزخر بها ماليزيا. د.مهاتير معجب حقا بالسودان والسودانيين ولكنه دائما يردد للسودانيين الذين يحاورونه للاستفادة من التجربة الماليزية بأن سياق البلدين مختلف جدا لذا فيجب اختيار مقاربة أخرى للنهضة بالسودان. السودان بلد غير محظوظ في نخبته السياسية فهي نخبة أنانية جدا جدا ، غير مؤهلة ، مخترقة بشكل مريع (ولا إستثناء في ذلك) ، ومع كل ذلك فلقد إرتكبنا عديد الأخطاء الإستراتيجية التي كادت أن تودي بوطننا لولا لطف الله.. فبأصابعنا المرتجفة وعدم تأهيلنا وقصر أفقنا الإستراتيجي فقدنا الجنوب وموارده التي إنغرست كخنجر مسموم في خاصرتنا الجنوبية ، كذلك صنعنا بأيدينا مصيبة حميدتي في خضم صراع دارفور الذي صنعناه بأيدينا ،كذلك نحن من إبتلعنا طعم حمدوك وصنعنا ألقه، وغيرها من الموبقات الإستراتيجية التي أدمنّا إرتكابها كالبوربون لا ننسى شيئا ولا نتعلم شيئا. وها نحن اليوم في طريقنا لإرتكاب موبقة إستراتيجية جديدة يعدّها لنا نفس البهلوان في صورة مشروع قديم جديد من قبله الرحمة ومن باطنه العذاب. من أين تصدر هذه الترهات العمسيبية!! ؟.. ومن أي معين تمتاح!! ؟. وليعذرني القارئ العزيز إن ركزّت في هذا المقال على الموضوع دون الذات وعلي الظاهرة دون الشخصية!!!. لذا فليس مهما أن نسرف في الحديث عن الأراجوز (الأنا التي يراد لنا أن نركٍز لحظتنا النفسية خلالها) ما دام أننا قد حدسنا البهلوان الذي يحرك الخيوط!!.. إن أهم درس قد إستلهمناه من حرب الجنجويد هو معرفتنا بهشاشة وضعنا الإستخباري وخوائنا الإستراتيجي (ضعف مؤسساتنا البحثية والإستراتيجية) مما أغرى البهلوان الأجنبي لتمرير باقة من الأجندة ليس أخطرها مخطط التقسيم المرسوم منذ مبتدأ الثمانينيات (خطة برنارد لويس) وليس أهونها سرقة مواردنا وإستغلال موقعنا الإستراتيجي. وفي سبيل ذلك خصصت هذه الجهات مواردا ووظفت عقول إستراتيجية وأشترت مواقف دول وبثمن بخس كذلك إستأجرت عملاء محليين لم يكن أولهم الخائن المدعو طه عثمان الحسين ولا آخرهم آل دقلو. لقد تفاجأنا بعد إندلاع حرب الجنحويد أنّ عديد الجهات والأفراد الذين كان السودانيون يظنون فيهم الظن الحسن كشفت الأزمة أدوارهم لصالح مخطط إبتلاع بلادنا بواسطة الوكيل المحلي (الجنحويد)!!!. وضمن هؤلاء سياسيون وإعلاميون ورجال أعمال وفنانون وناشطو منظمات مجتمع مدني وموظفون أمميون ورجال دولة وضباط بالأجهزة النظامية. جميعهم إبتلعتهم خطة إبتلاع بلادنا فبلع بعضهم الطعم بحسن نية وكان أغلبهم الخائنون والله لا يهدي كيد الخائنين!!.
ومما تعلمناه كذلك فليس كل إبن هو ولد أبيه، فكما أن هناك دياثة إجتماعية ودياثة سياسية ودياثة إستخبارية، فهناك كذلك الدياثة الإستراتيجية وهي أخطر أنواع الدياثات. إذن وبما أننا إزاء تحليل واقع كمين إستراتيجي جديد (دعونا نسميه كذلك بالكمين العمسيبي ) مثله مثل الكمائن الإستراتيجية التي سبقته (كمين الجنجويد وكمين حمدوك وكمين قحت) فنلاحظ أنه قد تم إختيار (الأراجوز) هذه المرة ليصلح كمستدرج محلي وكل ميسر لما خلق له. شخصية تمتلك القبول الشخصي والإجتماعي ، غير قريب من المشروع السياسي لمركز الدولة العروبي وإن تصادف أنه من نفس الصف الاجتماعي له لتحقيق أهداف سوف نشرحها بعد قليل، منتفخ الذات والأوداج يراد له بذلك أن يحقق ذاته عبر تحقيق أهداف البهلوان، غاية في الدوغمائية، إستعراضي (سينمائي الشخصية)، لا هدف له سوى الفوز في ميدان الحجاج وصرع الخصوم .
إنّ مخطط قيام دولة في شمال السودان (السودان النيلي) ليس (مشروعا عمسيبيا) البتة!!. بل هو مخطط قديم معروف وليس خافيا على الكثير من أفراد نخبتنا السودانية يسارا ويمينا وأكاديميين.. بعض هذه النخبة تساند هذا المشروع (النخبة النوبية) والبعض الآخر ضده!!. هو مشروع بروفسير برنارد لويس أستاذ تاريخ الإسلام والشرق الأدنى بجامعتي برينستون وكورنيل منذ ١٩٧٤ (بعقد لتدريس كورس وحيد في العام دون أن يكلف بأي عبء إداري ليكون متفرغا للبحث) يهودي ، مستشار وزارة الخارجية الأمريكية لما يقرب لأربعة عقود، بريطاني الأصل متجنسا بالجنسية الأمريكية منذ العام ١٩٨٢م، صديق لكافة رؤساء وزراء إسرائيل خصوصا غولدا مايير التي كانت تفرض قراءة مقالاته الأسبوعية في الصحافة الأمريكية كواجب على أعضاء مجلس وزرائها، يعد عرّاب (Godfather) لجماعة المحافظين الجدد (Neo-conservatives) عبر ديك شيني ، توفي في العام ٢٠١٨ عن عمر يناهز ١٠٢ عام ودفن في تل أبيب. لويس هو صاحب الرؤية الاستراتيجية لتقسيم السودان لخمس دول (خارطة برنارد لويس) ، وهو مشروع لا يستهدف السودان فحسب بل إعادة هندسة الحدود السياسية لكل من مصر والسودان معا لصالح تقوية إسرائيل وهو ما لا يخفيه لويس بصفته المنظر الأساسي لجماعة اليمين المسيحي داخل الإدارة الأمريكية في فترة بوش الإبن!!.
وفي إطار هذا المشروع سوف تقام دولة كوش التي سوف لن تشمل كامل الوجود النوبي بالسودان فحسب ولكن بمصر أيضا. هذه الدولة هي أحياء لمملكة كوش التي حكمت مصر إنطلاقا من طيبة (الأقصر الحالية) وإلى كبوشية الحالية في الفترة من ٧٥٩ ق م إلى ٣٥٠ م. قبل ذلك عاشت كوش إنطلاقا من عاصمتها نبتة (جبل البركل قرب كريمة الحالية) وفي عهد ملكها بعانخي غزت مصر مشكٍلة الأسرة الفرعونية الخامسة والعشرين التي حكمت هناك من ٧٥٩ ق م إلى ٥٩٠ ق م. تراجعت كوش جنوبا بعد الغزو الآشوري لمصر أولا إلى نبتة ومن ثم إلى مروي (كبوشية الحالية ) حيث عاشت إنطلاقا من هناك إلى ٣٥٠ م. لقد برزت فكرة إقامة دولة نوبية تشمل الفضاء جنوب مصر وشمال السودان بعد تأسيس مدرسة المركزية الأفريقية (Afrocentrism) حيث ناظرت هذه الأخيرة تيار مدرسة المصريات التي ترفض فرضية الأصل الأفريقي للأسر الفرعونية. عارضت الآفروسنتريك بأن ملوك كيميت (مصر القديمة) والشعب المصري آنذاك كانوا ذوي أصول أفريقية بدليل صورة تي زوجة إمنحتب الثالث وإخناتون وتوت عنخ آمون وسونسرت وأن المصريين الحاليين لا يمتون للفراعنة بصلة إذ أن تلك السلالات هاجرت جنوبا بعد غزو الآشوريين لمصر. متهمين المصريين الحاليين بأنهم يتقصدون تفتيت الأنوف لمومياوات وتماثيل ملوك الأسر الفرعونية لإخفاء السمات الأفريقية في سحناتهم. عموما لقد أدت هذه المناظرة لتأجيج الشعور القومي لدى النوبيبن منذ قيام السد العالي وصاعدا (النوبيين لهم اعتقاد ان السد العالي مؤامرة لدثر الحضارة النوبية) وقد إستثمرت خطة برنارد لويس هذا الشعور وضَمّنت إقامة دولة تضم جميع النوبيين بكل من مصر والسودان.. نواصل.