تتناوشني ذكرياتها في صحوي ومنامي، في انتباهتي وغفلتي.
كأن كادقلي لم تغادرني قط، وكأنني ما زلت هناك، أتجول في شوارعها، وأصافح وجوهها، وأستنشق هواءها المبللاً بالحنين.
كادقلي.. مدينة التآلف، ومنطقة الحنين. ذلك المكان الخاص جداً، النظيف، الأنيق، والحيوي إلى الحدّ الذي يصعب وصفه.
السوق الكبير.. شارع النص.
عمك الله جابو، شيخ مزمل، عمك هنو، أولاد ميسو، والشيخ عبدالله صالح.
وسوق النيم.. وما أدراك ما سوق النيم!
كنتين حجر المك، كنتين الملكية، وكنتين كليمو.
كوارع الرديف، والفطور الطازج عند حاجة أم عنج..
يا الله، كم كانت للحياة نكهة، وكم كانت للأشياء الصغيرة مكانة لا يعرف قدرها إلا من عاشها.
ثم استاد كادقلي الداخلي، ومباراة الهلال والمريخ.. الهلال الذي كان يحلم بالتأهل إلى الممتاز، وذلك المريخ العظيم!
صلاح جاروفا، فرح بيبي، كرمتي.. وصوت المدرجات يهدر: (حرق العيش).
وهلال أمير النونو.. ذلك اللاعب الذي كنت أرى في مهاراته ما يتجاوز كثيراً مما نشاهده عند لاعبي الدوريين الإسباني والإنجليزي.
كانت الكرة عنده حكاية أخرى، وكانت المدرجات تعرف كيف تحتفي بالجمال.

شلال كلبي.. وحجر الطير.
الخريف.. يا للخريف!
حصاد الفول، وقطع المليل، وأكل التبش بالشطة والأنكوليب.
مواسم لا تُقاس بما تمنحه الأرض وحدها، بل بما تتركه في الروح من دفء، وفي الذاكرة من صور لا تشيخ.
أما أم تقلقل، تلك الثمرة العجيبة فلها قصة أخرى.. ولها في القلب مقام لا تسعه الكلمات.
آآآآه يا كادقلي!
كم من الأعوام يمضي، وكم من الطرق نتخذ، وكم من الوجوه نلتقي.. ثم نكتشف أن في داخلنا مكاناً لا يقبل البدائل، وأن بعض المدن لا نسكنها فحسب، بل تسكننا، وتصبح جزءاً من تكويننا، وشيئاً من ملامحنا التي لا تتغير.
كادقلي ليست مدينة أتذكرها.. إنها عمرٌ كامل أحنّ إليه.
تلك أجمل بقاع الأرض.. وما زلت، كلما أغمضت عينيّ، أعود إليها.
عبدالله اسماعي