الجيش يطلق عملية برية لتحرير كردفان هل تكبح عمليات “الدرت” مشروع فصل دارفور؟

حديث السبت : يوسف عبد المنان

1

الجيش يطلق عملية برية لتحرير كردفان

هل تكبح عمليات “الدرت” مشروع فصل دارفور

رحل البروفيسور التجاني عبدالقادر وبقيت مآثره

(1)
أطلقت القوات المسلحة يوم الخميس ١٧ سبتمبر عمليه برية واسعة في إقليم كردفان الذي يشهد منذ شهور معارك كبيرة في ولاية شمال كردفان وجنوب كردفان في وقت تشهد البلاد اختناقاً اقتصادياً هوي بالجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية إلى درك سحيق من تدني قيمته وتصاعدت تبعاً لذلك أسعار السلع في الخرطوم وبقية مدن ولايات السودان الشيء الذي نجم عنه عجز عدد كبير من الأسر عن شراء احتياجاتها من الدقيق والسكر والخبز .
وقد أدرك الشعب بحسه الرفيع ماوراء الأزمة التي أحكمت خناقها عليه ،وأن أيادي دولة الإمارات التي تخوض الحرب على السودان وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية وراء مايحدث حيث لم يكتفيا بماقدماه للمليشيا من عتاد عسكري ودعم سياسي ودبلوماسي وخير شاهد على الدعم العسكري القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة برفع الحظر عن مبيعات السلاح لإثيوبيا مجرّد دخول إثيوبيا في حرب مُعلنة على الحدود واحتلال مدينتي الكرمك وقيسان وإرغام المواطنين على مغادرتها ودخول الإمارات سوق المضاربات المالية وشراء المعروض من الدولار في الأسواق بعملات تحوم شكوك حول طباعتها في أبوظبي وتسريبها الي المدن السودانية من مناطق تواجد المليشياظ
وفي مثل هذه القتامة في المشهد وصمت مريب من حكومة الأمل حيال مايحدث وتحت واقع الأزمة أرغمت البرهان على التدخل العاجل في اجتماع انعقد مساء الأربعاء بالقصر الرئاسي بحث تدابير إنقاذ البلاد من ماهي مقبلة عليه إزاء تداعيات الأوضاع الاقتصادية وحتى تدخل البرهان الحميد لم تفصح عنه الحكومة التي أصيبت بداء الصمت المريب.
لكن القوات المسلحة وحينما نقول القوات بصيغة الجمع نعني فصائل عسكرية عديدة من قوات مشتركة لها فاعلية كبيرة جداً في الميدان وقوات العمل الخاص بجهاز المخابرات وقوات المجاهدين والشرطة كل هذه التشكيلات انتظمت في كتلة كبيرة يقودها الجيش لاسترداد وتحرير الأرض وإعادة الروح لشعب تسعى ذات القوى الدولية التي تمد المليشيا بالسلاح لهزيمته بالاقتصاد وجر البلاد لتغير آخر لايعرف إلا أن سيهوي بالبلاد في مستنقع الأزمات المتناسلة.
عشرة مناطق كاملة تمت السيطرة عليها خلال ساعات نهار الخميس في عملية برية واسعة لم تشهدها كردفان من قبل ومع تحرير مناطق شرشار والفرشاحة التي ظنها البعض الفرشاية الواقعة شمال الدلنج ولكن الفرشاحة قرية كبيرة بشمال كردفان ،ارتفعت الروح المعنوية لقطاعات واسعة من الشعب السوداني وارتفع سعر الجنيه السوداني بتوقف عمليات الشراء المصنوعة وهبط الدولار نهار الخميس إلى ٧٧٠٠ مقابل ٨٥٠٠ يوم الأربعاء وزرع الجيش الأمل في نفوس الشعب.
(2)
بث إعلام القوى المقاتلة في ميدان صورة ويُقرأ من وراء الصورة المشهد الكلي لاتجاه الصراع الحالي في الميدان الصورة لجنود من المشتركة يحاصرون جنوداً من مليشيا التمرّد لا في غابة أو مبنى بمحلية سودري وعناصر من الدعم السريع تحت ضربات موجعة وبعد أن تمزّق صفهم وتبعثرت وحدتهم صعد جندي مهزوم وتسلّق فروع شجرة سيال وهي شجرة تنبت في المناطق شبه الصحراوية وطلب جنود المشتركة من الجندي الذي تسلّق شجرة السيال مثل قرد يقتات من ثمار اللالوب وصعد جندي من المشتركة لاصطياد الجنجويدي وصورة أخرى أيضا لجنجويدي آخر صعد شجرة وأطلق عليه الجنود النار دون إصابته لإرغامه على النزول وهذه الصور التي يُعتقد أنها من تخوم سودري أو منطقة تنة التي دخلتها القوات المسلحة مساء الجمعة وتنة هي مسقط رأس رجل الأعمال الكبير واحد أثرى الأثرياء عبدالله الجراري يقطنها عربان بني جرار وهي تقع ضمن ديار الكبابيش التي تضم مجموعات كبيرة من قبائل دار الريح مثل كاجا وكتول وهؤلاء نوبة (أجانق) وناظرهم النعمة سوركتي ولحركة العدل والمساواة وجود كبير في الجبال البحرية، وفي أم بادر يقطن عرب الكواهلة ونظارة الشيخ الإعيسر
وتعتبر منطقة أم بادر من أغنى مناطق كردفان بمعادن الذهب والنحاس غير المُستغل حتى الآن.
ومطاردة الجيش للجنجويد حتى المختبئين وراء فروع شجر السيال يمثل تطوراً ميدانياً لافتاً لقوى تلفظ أنفاسها الأخيرة في إقليم كردفان وشهد يوم الجمعة تحرّكاً للقوات المسلحة غرب مدينة الأبيض حيث بدأت العمليات البرية بالسيطرة على منطقة الممسوكة وتوجهت القوات عصراً إلى جبل أبوسنون وتم القضاء على المليشيا هناك وفي أم صميمة التي تتعدى أهميتها موقعها الرابط بين ولايتي غرب كردفان وشمال كردفان إلى رمزيتها المعنوية وهي عاصمة ديار البديرية ومقر محكمة زاكي الدين التاريخية وكانت أم صميمة من أكبر القرى في شمال كردفان تعج بحركة اللواري المتجهة إلى الفاشر ونيالا والقوات التي دحرت المليشيا في غرب الأبيض تمضي زحفاً نحو أهداف مُعلنة في الخوي والنهود وقد فعل الطيران المُسيّر والمدفعية فعلتها في الجنجويد طوال الأيام الماضية.
عمليات حصاد الجنجويد في فصل “الدرت” الذي يبدأ عادة في كردفان من منتصف سبتمبر حيث تتدفق منتجات الزراعة من البطيخ واللوبيا والبامية والعنكوليب والفول وتعتبر شهور أكتوبر ونوفمبر شهور رخاء وهناء معيشة قبل أن تحل حشرة أم كعوك وهو الاسم الذي أطلقه أهلنا في الجزيرة على الجنجويد وهو اسم يليق بهم وقد قضى الجنجويد على الزراعة وخرجت كردفان من دائرة الإنتاج مثلما أخرجوا دارفور من قبل ،وقد أمسكت السماء الماء عن الأرض في شهور يوليو وأغسطس وانهمر الغيث في سبتمبر ولكن بعد فوات الأوان ولايزال شبح المجاعة خاصة في المناطق الواقعة تحت سيطرة مليشيا الدعم السريع يلوح في الأفق، ولكن تحرير النهود والخوي وطرد آل دقلو من كل شمال كردفان ونصف غرب كردفان وتقدم القوات من محور الصحراء باتجاه الكومة ودخول شمال الفاشر يمثل تطوراً سياسياً قبل الفعل العسكري على الأرض وآل دقلو يخططون أو تخطّط لهم القوى الداعمة مالك المشروع في نسخته الثانية لفصل إقليمي دارفور وكردفان وبعد تحرير شمال كردفان واستحالة العودة إلى جبرة الشيخ وبارا دفعت المليشيا بكل ماتملك من قوة على الأرض لجعل المعركة الأخيرة في كردفان وتحصين دارفور ما أمكن وذلك حتى تصبح الخطة الثانية حاضرة، وهي فصل إقليم دارفور بيد أن أهمية سيطرة المشتركة على محليات أم برو وكارنوي والطينة ودخولها غرب دارفور في كلبس وصليعة ومناوشة الجنينة جعل أي ادعاء للمليشيا بالسيطرة على دارفور مجرّد أكاذيب لايصدقها عاقل ولا تنهض على سابقين من الحقيقة ولن يطوي هذا الشهر أيامه إلا وقد تقدّمت القوات المسلحة إلى قلب دارفور بعد تحرير كردفان الذي بات وشيكاً خلال الأيام القادمة وهي أيام سوداء على المليشيا وآل دقلو.
(3)
غيّب الموت المفاجي يوم أمس الأول المفكر الإسلامي والأستاذ الجامعي وأحد رواد التغيير والتنوير في القرن الحالي الدكتور التجاني عبدالقادر حامد وقد وجد الرجل في الفضاء الإسفيري نعياً يليق بما قدّمه من جهد فكري وتغذية لشرايين المكتبات بمطبوعات حملت عناويناً كبيرة عطفاً على المساهمات الفكرية في الندوات وحلقات المدارسة مع رواد الفكر. ودكتور التجاني ينتمي لمدرسة الإسلام الحركي غير المصادم للصوفية ولا السلفية ولا الشيعة ويتسم بالوسطية، وهو من المفكرين القلائل في حركة الإسلام السياسي السودانية، لم تلوثه السلطة (ببعرها) وجافى التجاني عبدالقادر مبكراً المناصب التنفيذية في دولة المشروع الحضاري ،ولكن ظل إسهامه في المنافحة عن الفكرة متقدماً جداً في جدار المقاومة والمنافحة ،وتلقّفته الجامعات القطرية التي تبحث عن العلماء والمفكرين من كل المدارس وقطر في هدوء ومن غير ضوضاء جعلت الدوحة هي المرفأ الذي استظل به المفكر الجزائري على بن الحاج والتونسي راشد الغنوشي والمفكر العربي نايف حواتمة والدكتور يوسف القرضاوي والدكتور اليمني الأديب والشاعر عبدالعزيز المقالح مدير جامعة صنعاء الأسبق عليه الرحمة وحتى رواد ونوابغ القصة من كل العالم العربي كانت الدوحة ظلاً لهم من هجير بلاد لاظلال لها ،من الأديب الاريتري حجي جابر ،والتجاني يقف في مقدمة صف طويل جداً من السودانيين لفظتهم الخرطوم واحتوتهم الدوحة دون النظر للبطاقات الفكرية التي يحملونها في معاطفهم ووجد هناك هواء رطباً منعشاً ،وكتب مقالات في التجربة السودانية قبل سقوطها وبعد سقوطها، والتجاني عبدالقادر مثل حسن مكي وجمال الدين شريف والسفير خالد موسى من جيل الشباب ومثل أبوجديري وأسامة عيدروس، ضاقت مواعين السلطة بأمثالهم ولكنها اتسعت لأمثال حامد ممتاز ومصطفى عثمان وصلاح قوش وأسامة عبدالله وصلاح ونسي من أهل الفعل، وجافت أهل النظر الذين هم مثل عمرو بن العاص الذي ضاقت به الخلافة الإسلامية ومعاوية وآخرين وكان الانقسام بين أهل الفعل وأهل النظر مبكر جداً وامتد حتى تجربة الإنقاذ التي صدر عنها كتاب لشاب كان في قلب الجهاز التنفيذي ومن المقربين لكبار قادتها الأستاذ ياسر يوسف الذي استغل فراغ تركيا وكتب سقوط الإنقاذ ثمن المواقف والأخطاء والآن سقط التجاني بجسده وبقيت روحه وبقي فكره وجهده مشاعاً للأجيال الحالية والاجيال القادمة.
مُوجع جداً للقلب والكبد رحيل رجل حمل القلم والحبر وتأبط الكتب وظل في حياته بلا خصومات إلا من خصوم العقيدة والمعتقد، ومثل التجاني عبدالقادر يظل شمعة تضيء غياهب الظلام في وطن وعالم يتحدّر كل يوم إلى أسفل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.