من مكتب الوالي إلى قلب المحليات.. لماذا لا تصبح حكومة كسلا حكومةً متنقلة؟

بقلم: فخري فركاوي

1

هناك فرق كبير بين أن يحكم المسؤول من مكتبه، وأن يحكم وهو يرى الناس ومشكلاتهم بأم عينيه .

وفي الولايات الواسعة، التي تتباعد فيها المحليات والقرى ومناطق الإنتاج، تصبح المسافة بين مكتب الوالي والمواطن أكثر من مجرد مسافة جغرافية؛ أحياناً تتحول إلى مسافة بين القرار والحقيقة.

ومن هنا أطرح مقترحاً أراه قابلاً للتنفيذ، ولا يحتاج إلى ميزانية ضخمة، لكنه يمكن أن يصنع فرقاً كبيراً في طريقة إدارة ولاية كسلا:

لماذا لا يخصص والي ولاية كسلا، اللواء الركن معاش الصادق الأزرق، أسبوعاً من كل شهر لنقل حكومة الولاية إلى إحدى محلياتها؟

ليس المقصود زيارة تفقدية ليوم واحد، ولا جولة بروتوكولية تسبقها اللافتات وتغادر بعدها السيارات.

المقصود أن ينقل الوالي مكتبه وحكومته إلى المحلية لمدة أسبوع كامل، وأن تُعقد اجتماعات مجلس الحكومة هناك، ويستقبل المسؤولون المواطنين، وتُراجع المشروعات، وتُحل المشكلات من موقعها، ويعود الوالي في نهاية الأسبوع إلى عاصمة الولاية ومعه قائمة واضحة بما تم إنجازه وما يحتاج إلى قرار أعلى.

قد تبدو الفكرة بسيطة، لكنها في جوهرها تحمل معنى سياسياً وإدارياً كبيراً:

أن تذهب الحكومة إلى المواطن، بدلاً من أن ينتظر المواطن الحكومة.

أسبوع واحد قد يغيّر طريقة الحكم

تصوروا أن يكون شهر أغسطس في محلية ود الحليو، وسبتمبر في ريفي كسلا، وأكتوبر في أروما، ونوفمبر في همشكوريب، ثم محلية أخرى، وهكذا حتى تشمل الدورة جميع محليات الولاية.

خلال ذلك الأسبوع لا يكون الوالي مجرد زائر.

يكون والياً من داخل المحلية.

تنتقل معه الجهات ذات الصلة: المالية، الزراعة، الصحة، التعليم، البنية التحتية، المياه، الاستثمار، التجارة، الشباب، والثقافة، وكل جهة ترتبط بمشكلات المنطقة.

في الصباح جولات ميدانية.

بعد الظهر اجتماعات.

وفي المساء لقاءات مع المواطنين والقيادات المجتمعية والمنتجين والشباب والمرأة وأصحاب الأعمال.

وفي نهاية الأسبوع:

قرارات، وتكليفات، وجداول زمنية، ومسؤوليات محددة.

هنا تتحول الزيارة من مناسبة إعلامية إلى أداة للحكم والإدارة والتنمية.

هذا ليس اختراعاً سودانياً

الفكرة لها سوابق في دول مختلفة، وإن اختلفت المسميات والتطبيقات.

تايلاند، على سبيل المثال، أعادت في 2026 إحياء اجتماعات مجلس الوزراء المتنقلة، مع تأكيد رئيس الوزراء أن الهدف ليس تغيير مكان الاجتماع فقط، وإنما النزول الميداني، والاستماع إلى المشكلات، والعمل على حل ما يمكن حله أثناء وجود الحكومة في المنطقة.

وفي 2024 عقدت الحكومة التايلاندية اجتماعاً لمجلس الوزراء في مقاطعة فاياو، وتزامن ذلك مع خدمات حكومية متنقلة والوصول إلى المواطنين والاستماع إلى احتياجاتهم.

وفي نيبال، استخدمت الحكومة مفهوم الحكومة المتنقلة للوصول بالخدمات إلى المواطنين في المناطق التي يصعب وصولهم منها إلى مؤسسات الدولة، بما في ذلك خدمات الوثائق والمعاملات وبعض المساعدات الاجتماعية.

أما الهند، فقد قطعت شوطاً أوسع في فلسفة اللامركزية، عبر المؤسسات المحلية في الريف، وأصبح نقل الصلاحيات والوظائف والموارد إلى المستويات المحلية جزءاً أساسياً من التجربة الدستورية منذ تعديلات 1992-1993.

والدرس الذي يمكن أن نستفيد منه هنا ليس أن نقل مكتب الوالي لأسبوع هو الحل السحري، وإنما أن الحكومة كلما اقتربت من المستوى المحلي أصبحت أكثر قدرة على فهم احتياجاته، بشرط أن يقترن القرب بالصلاحية والموارد والمساءلة.

كسلا تحتاج إلى هذه الفكرة أكثر من غيرها

ولاية كسلا ليست مدينة واحدة.

هي مساحة واسعة، ومحليات متفاوتة في طبيعتها واحتياجاتها وإمكاناتها.

هناك محليات زراعية، وأخرى رعوية، وأخرى حدودية، وأخرى ذات موارد طبيعية وسياحية، ومحليات تواجه تحديات خاصة في المياه والصحة والتعليم والطرق.

كيف يمكن للمسؤول أن يضع سياسة واحدة لكل هذه المناطق وهو يجلس دائماً في كسلا؟

الملفات لا تتشابه لأن الجغرافيا لا تتشابه.

مشكلة المزارع في ود الحليو ليست بالضرورة مشكلة المواطن في همشكوريب.

وأولوية المنطقة الحدودية ليست بالضرورة أولوية منطقة أخرى.

ولهذا فإن اللامركزية ليست مجرد توزيع للمكاتب الحكومية.

اللامركزية الحقيقية تبدأ من فهم خصوصية كل منطقة.

الوالي الذي يبيت بين الناس يسمع ما لا يصل إلى مكتبه

هناك مشكلات لا تظهر في التقارير.

قد يكتب مدير أن الطريق يحتاج إلى صيانة، لكن المسؤول عندما يسلك الطريق بنفسه يعرف أن المسألة أكبر من جملة في تقرير.

وقد يقال إن المركز الصحي يعمل بصورة جيدة ، لكن زيارة مفاجئة تكشف نقص الدواء أو الكادر.

وقد يقال إن مشروعاً زراعياً مستقر ، بينما يخبر المزارعون الوالي أن مشكلة النقل أو التمويل تلتهم أرباحهم.

وهنا تكمن قيمة الفكرة.

الميدان لا يجامل.

والمسؤول الذي يرى المشكلة بنفسه لن يكون بحاجة إلى عشرات التقارير حتى يفهمها.

ولكن هناك شرطاً مهماً

إذا نقلنا الحكومة إلى المحلية وبقيت القرارات في المركز، فلن نكون قد فعلنا شيئاً.

وإذا جلس الوالي مع المواطنين واستمع إليهم ثم عاد إلى مكتبه دون قرارات، فقد تحولت المبادرة إلى لقاء جماهيري آخر.

لذلك أقترح أن يصاحب أسبوع الحكومة في المحلية ما يمكن تسميته:

دفتر الالتزامات المحلية

في بداية الأسبوع تُحصر المشكلات.

كل مشكلة أمام الجهة المسؤولة.

وكل مشروع له موعد.

وكل مسؤول له مهمة.

وفي نهاية الأسبوع يعلن الوالي ما تم اتخاذه من قرارات.

ثم في الزيارة التالية، يبدأ أول اجتماع بمراجعة ما تم تنفيذه من قرارات الأسبوع السابق.

هنا يصبح المواطن قادراً على أن يسأل:

ماذا وعدتمونا؟ وماذا نفذتم؟

وهذه هي المساءلة التي نحتاجها.

من اللامركزية الإدارية إلى اللامركزية الحية

نحن كثيراً ما نتحدث عن اللامركزية باعتبارها مصطلحاً إدارياً: صلاحيات، محليات، مجالس، ميزانيات.

لكن اللامركزية في جوهرها أبسط من ذلك:

أن يشعر المواطن أن الحكومة ليست بعيدة عنه.

أن يعرف أن الوالي يستطيع أن يصل إلى منطقته.

وأن الوزير يستطيع أن يرى مدرسته.

وأن مدير الصحة يستطيع أن يدخل مستشفاه.

وأن المسؤول الزراعي يستطيع أن يمشي داخل الحقل.

وأن المستثمر يستطيع أن يشرح مشكلته لمن يملك القرار.

وهذا النوع من الإدارة يمكن أن يعيد الثقة بين المواطن والدولة.

يا سيادة الوالي.. اجعلها سنة تُعرف باسمك

وأنا هنا أخاطب والي كسلا، اللواء الركن معاش الصادق الأزرق، بصورة مباشرة.

لقد عُرفتم بين أهل الولاية باهتمامكم بملفات التنمية، ولهذا أعتقد أن لديكم فرصة لصناعة تجربة إدارية يمكن أن تتجاوز حدود كسلا.

اجعلوا من عامكم هذا عام الحكومة إلى المحليات.

خصصوا أسبوعاً من كل شهر لمحلية.

وانقلوا معكم حكومتكم.

لا تذهبوا وحدكم.

خذوا الوزراء والمديرين التنفيذيين ومديري المؤسسات ذات الصلة.

اجلسوا مع المواطن.

ادخلوا المدرسة.زوروا المستشفى.اذهبوا إلى المشروع الزراعي.

قابلوا المنتج.تفقدوا الطريق.ادخلوا السوق.اذهبوا إلى المعبر الحدودي.

ثم عودوا إلى عاصمة الولاية وقد أصبح لديكم شيء أهم من الصور:

قائمة مشكلات وحلول وقرارات.

إذا نجحت التجربة في كسلا، فلن تكون مجرد مبادرة ولائية.

قد تصبح نموذجاً يمكن أن تستفيد منه ولايات السودان الأخرى في مرحلة ما بعد الحرب.

لأن سودان ما بعد الحرب يحتاج إلى حكومة تمشي

الحرب فرضت علينا أن نعيد التفكير في كل شيء.

في الاقتصاد.في الإدارة.في الخدمات.

وفي علاقتنا بالمواطن.

ولا يمكن أن نبني سودان ما بعد الحرب بعقلية ما قبل الحرب.

نحتاج إلى دولة أكثر مرونة، وأكثر قرباً من الناس، وأسرع في اتخاذ القرار.

والحكومة التي تتحرك نحو المواطن قد تكون واحدة من أبسط صور هذه الدولة الجديدة.

ليس المطلوب أن تتحول حكومة الولاية إلى قافلة دائمة.

أسبوع واحد في الشهر يكفي كبداية.

أسبوع يجعل المسؤول يرى ما لا يراه من مكتبه.

أسبوع يجعل المواطن يتحدث مباشرة إلى صاحب القرار.

أسبوع يمكن أن يختصر شهوراً من المكاتبات.

وأسبوع قد يحول مشكلة ظلت معلقة سنوات إلى قرار.

كسلا أمام فرصة لتقديم نموذج جديد

إذا أقدم والي كسلا على هذه الخطوة، ثم جعلها برنامجاً منظماً، ووضع لها معايير للمتابعة والتقييم، وأعلن نتائجها للرأي العام، فإنها يمكن أن تصبح واحدة من أهم التجارب الإدارية في الولاية.

ويمكن أن يكتب الناس بعد سنوات:

كان هناك والي في كسلا قرر أن ينقل الحكومة من المكاتب إلى المحليات.

وهذه ليست مجرد عبارة جميلة.

إنها فلسفة حكم.

فالحكومة التي لا ترى الريف ستخطئ في تقدير احتياجاته.

والحكومة التي لا تسمع المواطن ستضع سياسات لا تشبه واقعه.

والحكومة التي لا تذهب إلى مناطق الإنتاج لن تعرف لماذا يرتفع سعر الإنتاج.

والحكومة التي لا تقترب من الحدود لن تدرك حجم الفرص والمخاطر هناك.

لذلك أقولها بوضوح:

يا سيادة الوالي.. لا تنتظروا أن يأتي الريف إليكم. اذهبوا أنتم إليه.

اجعلوا لكل محلية أسبوعاً.

اجعلوا للمواطن موعداً مع الحكومة في أرضه.

واجعلوا هذه المبادرة سنة إدارية تستنها ولاية كسلا، لا مجرد نشاط عابر.

فربما تكون أفضل طريقة لبناء الثقة بين الدولة والمواطن بسيطة جداً:

أن تخرج الحكومة من مكتبها.. وتمشي إلى حيث يعيش الناس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.