على طاولة إدريس والأزرق.. هل تفتح ملفات كسلا بوابة الاقتصاد السوداني نحو العالمية؟ بقلم: فخري فركاوي
جاء اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء، البروفيسور كامل إدريس، بوالي كسلا المكلف اللواء ركن الصادق الأزرق في الخرطوم، ليسلط الضوء من جديد على حزمة من الملفات الحيوية والتنموية التي تواجه ولاية كسلا كعمق استراتيجي في شرق البلاد. لقد استعرض الاجتماع قضايا أساسية ترتبط مباشرة بالواقع اليومي للمواطن، وعلى رأسها معاش الناس، وتطوير البنية التحتية، بجانب ملفات التعليم والصحة ومستحقات المعلمين والعاملين بالدولة. ومن الواضح أن استقرار الأوضاع الخدمية والاجتماعية في الولاية يمثل ركيزة أساسية لأي استقرار شامل، وهو ما يتطلب تنسيقاً وثيقاً وتكاملاً في الأدوار بين السلطات الولائية والحكومة المركزية لضمان تدفق الموارد ووضع الحلول الناجعة التي تنهي العقبات التنموية القائمة وتدفع بمسيرة الاستقرار إلى الأمام.
ولم يكن البعد الخدمي بمعزل عن الهواجس الأمنية المعقدة المرتبطة بطبيعة الولاية الجغرافية، حيث أمن اللقاء على منح الأولوية لملف الحدود، وتكثيف الجهود المشتركة لمكافحة التهريب والمخدرات. بالنظر إلى طبيعة كسلا كبوابة حدودية ذات تضاريس معقدة، فإن ضبط الأمن وحماية الحدود يتحولان تلقائياً إلى مسؤولية قومية تتجاوز الإمكانيات المحلية وتستدعي إسناداً مركزياً مستمراً للقوات النظامية العاملة في الميدان. ويتكامل هذا التحدي الأمني مع ملف ريادي وتنظيمي آخر ظل يشكل هماً سنوياً ثقيلاً، وهو ملف ترويض نهر القاش؛ إذ إن وضع معالجات هندسية وجذرية للتصدعات والكسور السنوية المتكررة في مجرى النهر لم يعد مجرد خطوة وقائية لحماية الأرواح والمزارع، بل هو مشروع استراتيجي يحتاج إلى إرادة تنفيذية مشتركة لتحويل هذه الوفرة المائية الموسمية إلى مورد اقتصادي مستدام يدعم قطاع الزراعة والمياه الجوفية.
وهنا تحديداً ينفتح الباب على الحقيقة الأكبر التي يجب أن تدركها الدولة؛ وهي أن ولاية كسلا ليست مجرد عبء تنموي أو ملف أمني ينتظر المعالجة، بل هي ولاية اقتصادية بامتياز، تملك من الموارد والمقومات ما يؤهلها للمساهمة الحقيقية في نهضة الاقتصاد السوداني بأكمله وإخراجه من عثرته الحالية. إن استثمار الموارد الطبيعية والزراعية الهائلة التي تذخر بها كسلا، بجانب موقعها الجغرافي الفريد الرابط بين أطراف حيوية، يمكن أن يحول هذه الولاية إلى ركيزة أساسية للإنتاج والصادر. لقد آن الأوان لكي يلتفت المركز إلى هذه البقعة المنسية بعين اقتصادية استثمارية لا بعين إدارية بروتوكولية فحسب، فكسلا مهيأة تماماً لتكون بوابة الاقتصاد السوداني نحو العالمية، ومحطة رئيسية لجذب الرساميل والاستثمارات إذا ما وُجدت الإرادة السياسية والخطط التنفيذية الشجاعة.
ومن الناحية التحليلية، يعكس هذا اللقاء طبيعة العلاقة التبادلية والمسؤولية التشاركية بين المركز والولايات في إدارة الأزمات والفرص المعقدة معاً. فحمل هذه الملفات وعرضها على طاولة رئيس الوزراء يمثل خطوة إدارية طبيعية لتوضيح حجم التحديات والآفاق التي تفوق القدرات الذاتية للولاية، خصوصاً في قضايا الهندسة المائية، وحقوق العاملين، والاستثمار بعيد المدى. وفي المقابل، فإن طرح هذه القضايا يضع معالم واضحة لخطط العمل المستقبلية التي تقع على عاتق الجهاز التنفيذي المركزي، مما يجعل اللقاء بمثابة خارطة طريق لتحديد الأولويات وتوزيع الواجبات بين ما هو ولائي إجرائي وما هو مركزي تمويلي واستراتيجي.
إن المحصلة النهائية لمخرجات هذا اللقاء تكمن في مدى قدرة الآليات الإدارية والتنفيذية على تحويل هذه التفاهمات إلى برامج عمل وجداول زمنية ملموسة على أرض الواقع. فالقضايا المطروحة، سواء كانت خدمية أو أمنية أو استثمارية كبرى، لم تعد تحتمل التأجيل، والمواطن في كسلا، ومعه الاقتصاد الوطني، يتطلعان اليوم إلى رؤية أثر هذا التنسيق رفيع المستوى في تفاصيل الحركة التنموية والإنتاجية، وهو ما يضع الشراكة بين حكومة الولاية والحكومة المركزية أمام اختبار حقيقي لترسيخ قيم الحكم الراشد والنهوض بالبلاد نحو الازدهار المنشود.