رمضان محجوب.. يكتب: انواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار الحلقة “43”  المسكوت عنه من خيبات المجتمع  

1

 

 

 

“فجيعة الانتماء”

 

▪️ انتهت فصول التشريد القسري، وأغلقت سجلات الاعتقال.. ونطوي اليوم خلفنا أياماً لم نعد نصدق أننا عبرناها بجلدٍ ومرارة. لم أكتب هنا لأعيد سرد وقائع الميدان أو أنقل أخبار الحشود، فما يؤرقني فعلياً هو ما حدث في دواخلنا نحن الذين نجوْنا. لقد عرّت الحرب طباعاً كانت تختبئ خلف “وداعة الجيرة”، لنكتشف أن ريح الحرب لم تقتلع الأشجار فحسب، بل اقتلعت معها حياءً كان يستر سوءاتنا، فأصبحت الخيبة هي الضيف الذي يسكن بيوتنا بعد أن فقدت أمانها.

▪️ لا أريد لهذا القلم أن يرثي حالنا، بل أريده أن يضع يده على القيح الذي تسترنا عليه طويلاً. فنحن لا نحارب رصاصاً يمر فوق الرؤوس، بل نحارب سقوطاً أخلاقياً مريعاً؛ لأن البعض ظن أن الدولة مجرد جسدٍ تتقاسمه الذئاب. ومن هنا، نكتب اليوم لنواجه ضمائرنا التي غفت، ونعترف بأن صمتنا عن رؤية الانهيار كان مشاركةً خفية في ضياع ما تبقى من قيمٍ كان يجب أن نصونها بدمائنا، لا أن نتركها فريسةً للنهب.

▪️ انظروا كيف تلاشت مروءة “الجار”، وكيف صارت “الشفشفة” حرفةً يتباهى بها من فقدوا البوصلة. إنها شهادةٌ نكتبها بحرقةٍ عن زمنٍ غامض، حيث غاب الحلال في عيون من يقتاتون على وجع جيرانهم. ومن هذا المنطلق، نحاول في هذه الحلقات أن ننبش في أدراننا، لا لنشمت في أحد، بل لنواجه الداء الذي نخر في عظامنا؛ وهو داءٌ يقتلنا من الداخل ببطءٍ شديد، بينما نتظاهر أمام الناس بأننا بخير، ونخفي عارنا خلف أبوابٍ مهشمة.

▪️ تستمر هذه الرحلة ضمن ذاكرة “أنواء الروح”؛ فهي نبشٌ في جراحٍ لا يريد أحدٌ الاقتراب منها خوفاً من المواجهة. وعليه، سنفكك كيف غرروا بشبابنا، وكيف ضاعت بوصلة القيم، واثقين بأن الكلمة التي لا تجرح واقعاً مشوهاً هي مجرد زيفٍ لا يسمن من جوع. لذا، نحن نؤرخ لهذه اللحظة لئلا يأتي من يزور حكايتنا ويجعل من الخيانة بطولة كما فعلوا من قبل ؛ فالحكاية التي لا نكتبها بصدق اليوم، ستطمسها رمال التزييف في الغد القريب.

▪️ في البداية، كان الوطن بالنسبة للكثيرين مجرد بئرٍ يغرف منها كل ذي مصلحةٍ نصيبه، فلم تكن المواطنة سوى كلمةٍ نلوكها في الأعياد. حين أطبقت النيران، تبخرت تلك الأوهام، وظهرت “فجيعة الانتماء” كحقيقةٍ عاريةٍ أسقطت كل ما توهمناه من ثباتٍ في القيم. لقد سقطت الأقنعة عند أول طلقة، وأدركنا أن روابطنا لم تكن عهداً مقدساً، بل مجرد خيوطٍ واهية انقطعت بمجرد أن لاحت بوادر الغنيمة، لتعري ضعف انتمائنا الذي كان رهيناً للرخاء.

▪️ لم يكن الانحياز لصف التمرد زلةً عفوية، بل كان قراراً مدروساً في عقولٍ اشترت أمنها الشخصي مقابل خذلان الوطن. لقد رأينا كيف باع البعض “البيت الكبير” مقابل وعودٍ بالنهب أو حمايةٍ واهية، وكأن الولاء للوطن أصبح سلعةً رخيصة. وبناءً عليه، كان المشهد مزيجاً من الطمع والذل، حيث تحول الخيار ضد الدولة إلى فعلٍ يراه البعض “ذكاءً للبقاء”، وهو في جوهره انتحارٌ أخلاقيٌ شنيع لا يمحوه اعتذارٌ أو ندمٌ متأخر.

▪️ استطاع التضليل أن يعبث بعقول جيلٍ بأكمله، فقد خلقت أبواق الفتنة واقعاً موازياً يغطي على بشاعة الحريق. انطلت الخدعة على الكثيرين، فصار الانتماء للقبيلة أو الجهة هو العبادة الوحيدة، بينما تلاشت التربية الوطنية التي كانت تحمينا. ومن ثم، كانت تلك الثغرة التي اخترقوا بها نسيجنا، وجعلت من الوطن مفهوماً غريباً لا يمت بصلةٍ لشبابٍ نشأوا على حب الأرض، فباعوها في أول سوق للنخاسة ظانين أنهم سيجدون وطناً بديلاً.

▪️ تلك كانت اللحظة الأكثر قسوة؛ أن ترى من شاركتهم رغيف الخبز والملح يطعنونك في ظهرك بلا تردد. فابتساماتهم الصفراء كانت تخفي شماتةً دفينة، وكأن نيران الحرب لن تطال بيوتهم كما التهمت بيوتنا. لقد تجسدت الفجيعة في أننا اكتشفنا أن العدو لم يكن يوماً خارج الأسوار فقط، بل كان ينام معنا، ويأكل على مائدتنا، وينتظر اللحظة التي تنكسر فيها الدولة ليغرس نصله في أجسادنا طمعاً في أثاثٍ لا يسمن من جوع.

▪️ لا تقاس الخسائر بالمال وحده، فهي دمارٌ طال الوجدان الذي كان يربطنا. فعندما لا يعود الوطن يعني شيئاً للفرد، تسود شريعة الغاب وتنتشر الفوضى. ولقد دفعنا ثمن هذا التمزق غالياً، إذ صار التشكيك هو لغة التخاطب بين الناس، وفقدنا الثقة التي كانت تمنحنا الأمان، وتشرذمنا إلى كتلٍ تبحث عن أمانٍ في أحضان من دمروا ديارنا، ظناً منهم أنهم سيكونون الاستثناء من قاعدة الدمار التي طالت الجميع بلا استثناء.

▪️ نحن اليوم أحوج ما نكون لمراجعة أنفسنا، والبحث عن هويةٍ لا تتجزأ، هويةٍ تضع الوطن فوق الانتماء العرقي. نعم إن استرداد المدن مهم، ولكن استرداد “الإنسان السوداني” الذي تاه في هذه المعمعة هو الأهم. وعليه، لا يمكن لأمةٍ أن تنهض وهي تقتات على الولاءات الضيقة، ولا يمكن لجيلٍ أن يبني مستقبلاً وهو لا يزال يرى أن مصلحته الشخصية أهم من وجود الدولة التي هي وعاؤنا الوحيد في هذا الزمن العاصف.

▪️ الخيبة التي نتجرعها درسٌ قاسٍ، لكنه قد يكون الفرصة الأخيرة لنصحو من غيبوبتنا. فالانتماء ليس شعاراً نرفعه لنحظى بمكاسب، بل هو فعلٌ نقوم به حين تضيق الدنيا بما رحبت. إن “فجيعة الانتماء” يجب أن تنتهي بالعودة إلى حضن الوطن، لا بحسابات المصالح الدنيئة، بل بقناعةٍ تامة بأن الوطن هو الملاذ الذي لا بديل له، مهما قست علينا الظروف أو ضاقت بنا المسالك، ومهما حاول الأعداء تفتيتنا.

▪️ علينا التحلي بالشجاعة لنعترف أن صمتنا عن التضليل كان خطيئةً كبرى. فالتربية الوطنية ليست مجرد نصوصٍ مدرسية جامدة، بل هي ممارسةٌ يوميةٌ نزرعها في بيوتنا ونحميها بأفعالنا. ولذلك، نحتاج لإعادة تعريف “المواطنة” بعيداً عن صخب الشعارات، لتكون هي الدرع الذي نحتمي به أمام طوفان الفتن التي تحاول ابتلاع ما تبقى من نسيجنا الاجتماعي، الذي بات كالثوب الممزق الذي لا يستر عورة أحدٍ منا، ولا يحفظ حرمة دارنا.

▪️ تلك الأقنعة التي سقطت في دارفور وفي غيرها، كشفت لنا كم كنا واهمين في تماسكنا الذي بنيناه على أسسٍ هشة. ففرز الناس اليوم أصبح أسهل من أي وقتٍ مضى، لأن الحروب لا تترك مجالاً للرماديين؛ فإما أن تكون مع وطنك أو تكون مع من يريد محوه. فالوفاء لهذا التراب في زمن الانكسار هو الذي يفرق بين ابن الوطن الحقيقي وبين المرتزق الذي لا يرى في الأرض إلا حقولاً للنهب، فالمواقف في الحروب هي الميزان الوحيد.

▪️ لن تنتهي هذه المحنة بانتصارٍ في الميدان فحسب، بل بانتصارٍ أخلاقيٍ يعيد ترتيب أولوياتنا المبعثرة. لذا، هذه دعوةٌ لكل سودانيٍ أن يواجه نفسه في مرآة الحقيقة: هل كنت مع هذا الوطن حين ناداك، أم اخترت السلامة مع من يتربصون به؟ إنها لحظة المكاشفة التي لا ترحم، ولن نتمكن من المضي قدماً دون أن نعترف بهذا الفشل الذريع الذي نال من أنفسنا قبل أن ينال من جدران منازلنا، ولن نستعيد عافيتنا إلا بالصدق.

▪️ مما سبق فقد تبين أن الوطن لم يكن سوى بئرٍ يغرف منها البعض، بينما هو عهدٌ غليظٌ في أعناقنا جميعاً، لا يستحق منا إلا الصدق والوفاء، لا الطمع والخذلان. فلنبدأ اليوم بجبر هذا الانكسار، ولتكن هويتنا هي التاج الذي نفتخر به فوق أي عصبياتٍ دنيئة. نحن لا نكتب لنندب حظنا، بل لنحفر في الصخر طريقاً لاستعادة كرامة هذا الكيان الذي حاولوا تمزيقه؛ فالحقيقة التي كشفناها اليوم ليست سوى البداية لتطهير الوجدان من أدران التردد. لن نطوي صفحات هذه الذاكرة، بل سنظل ننبش في المسكوت عنه من خيبات المجتمع ، لنكشف المزيد من وجوه الواقع؛ والحديث يمتد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.