الدولة تنحني إجلالاً للشهداء بقلم: د.طاهر موسى الحسن
ليست كل الزيارات الرسمية مجرد واجب بروتوكولي عابر، فبعض الزيارات تحمل في مضامينها رسائل وطنية عميقة، وتتحول إلى مواقف تُقرأ بمعاني الوفاء والانتماء والاعتراف بالتضحيات. ومن هذا المنطلق جاءت زيارة السيد وزير العدل السوداني الدكتور عبد الله درف لأسر شهداء معركة الكرامة بولاية كسلا، لتؤكد أن هذا الوطن لا ينسى أبناءه الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عنه.
لقد كانت الزيارة أكبر من مجرد معايدة اجتماعية لأسر الشهداء، بل كانت رسالة واضحة بأن الدولة السودانية، بكل مؤسساتها، تدرك حجم التضحيات التي قدمها أبناء السودان في معركة الكرامة، وتعرف جيداً أن ما تحقق من صمود وانتصارات لم يكن ليتحقق لولا دماء هؤلاء الشهداء الذين كتبوا بدمائهم تاريخاً جديداً للسودان.
عندما جلس وزير العدل وسط أسر الشهداء، واستمع إلى حكاياتهم وآلامهم وفخرهم بأبنائهم، بدا المشهد وكأنه لوحة وطنية تختصر معنى السودان الحقيقي؛ شعب يقدم أبناءه فداءً لوطنه، ودولة تنحني احتراماً لمن صنعوا المجد بالتضحية.
لقد حملت كلمات وزير العدل خلال الزيارة قدراً كبيراً من الصدق والتأثر، وهو يتحدث عن الشهيد الدكتور نزار ورفاقه من الشهداء الذين تركوا مواقعهم المدنية واختاروا طريق الدفاع عن الوطن. حديثه لم يكن خطاباً سياسياً بقدر ما كان شهادة للتاريخ، وتأكيداً على أن معركة الكرامة لم تكن معركة جيش فقط، بل معركة شعب كامل.
إن أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الزيارة أنها أعادت تسليط الضوء على القيمة الحقيقية للشهداء في وجدان المجتمع السوداني. فهؤلاء لم يكونوا مجرد مقاتلين حملوا السلاح، بل كانوا نماذج مضيئة من مختلف فئات المجتمع؛ أطباء ومهندسين ومهنيين وطلاباً وشباباً آمنوا أن الدفاع عن السودان واجب لا يقبل التردد.
الشهيد الدكتور نزار، الذي استشهد في شمال كردفان، لم يكن مجرد طبيب، بل كان رمزاً لجيل كامل اختار أن يكون في صف الوطن وقت المحنة. وكذلك الشهيد النذير إسماعيل، والشهيد العميد ركن فؤاد بشير محمد، وغيرهم من الشهداء الذين تحولت أسماؤهم إلى عناوين للفداء والبطولة.
ولعل الرسالة الأهم التي خرجت بها هذه الزيارة، أن دماء الشهداء لم تذهب هدراً، وأن أسرهم ليست وحدها. فحين يزور مسؤول في مقام وزير العدل هذه الأسر، برفقة قيادات المقاومة الشعبية بولاية كسلا، فإن ذلك يعكس تقديراً رسمياً وشعبياً للتضحيات، ويؤكد أن معركة الكرامة خلقت حالة وطنية جديدة عنوانها الوفاء لمن قدموا أرواحهم من أجل السودان.
لقد كان مؤثراً للغاية ذلك الفخر الذي تحدثت به أسر الشهداء، وهم يؤكدون أن أبناءهم لم يكونوا أغلى من الوطن، وأنهم على استعداد لتقديم المزيد دفاعاً عن السودان وأمنه واستقراره. هذا الحديث وحده يكشف معدن هذا الشعب، ويؤكد أن السودان ما زال بخير ما دام فيه رجال ونساء يحملون هذه الروح الوطنية العظيمة.
إن الأمم العظيمة لا تُبنى فقط بالانتصارات العسكرية، بل تُبنى أيضاً بقدرتها على حفظ الجميل والوفاء لمن ضحوا من أجلها. والشعوب التي تكرم شهداءها وتحفظ سيرتهم، هي شعوب قادرة على صناعة مستقبلها مهما اشتدت عليها المحن.
زيارة وزير العدل لأسر الشهداء بولاية كسلا لم تكن حدثاً عابراً، بل كانت موقفاً وطنياً وإنسانياً عميق الدلالة، أعاد التأكيد على أن الشهداء سيبقون حاضرين في ذاكرة الدولة والمجتمع، وأن أسماءهم ستظل محفورة في وجدان السودان جيلاً بعد جيل.
رحم الله شهداء السودان، وحفظ الله هذا الوطن، وجعل تضحيات أبنائه طريقاً نحو الأمن والاستقرار