العيد الذي أطفأته الشاشات … من صلة الرحم إلى صلة الانترنت  / بقلم: فخري فركاوي 

1

 

 

لم يعد الهاتف مجرد وسيلة اتصال، ولم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتسلية أو تبادل الأخبار، بل أصبحت في كثير من الأحيان عالمًا كاملًا يبتلع أعمار الناس وأفكارهم ووقتهم دون أن يشعروا.

نحن اليوم أمام جيل يقضي ساعات طويلة في التصفح والمشاهدة والمتابعة، لكنه في المقابل يقرأ أقل، ويفكر أقل، وينتج أقل. جيل يعرف تفاصيل الترند وأخبار المشاهير أكثر مما يعرف قضايا وطنه وتحديات مجتمعه، ويحفظ أسماء اللاعبين والفنانين أكثر مما يعرف رموز العلم والفكر والإبداع.

في المجتمع السوداني تحديدًا، أصبحت هذه الظاهرة أكثر وضوحًا خلال السنوات الأخيرة، خاصة وسط فئة الشباب والأطفال. ساعات طويلة تضيع يوميًا أمام الشاشات، يقابلها تراجع واضح في القراءة، وضعف في اكتساب المهارات، وابتعاد تدريجي عن القيم الاجتماعية الجميلة التي عُرف بها السودانيون عبر الأجيال.

ولعل أكثر ما يؤلم أن هذه الوسائل الحديثة أصبحت سببًا في ضياع كثير من عاداتنا الأصيلة، خاصة في المناسبات والأعياد. ففي الماضي كانت الأعياد موسمًا للتراحم وصلة الرحم وزيارات الأهل والجيران والأصدقاء، وكانت البيوت تمتلئ بالحركة والفرح والوجوه والضحكات، وكانت المعايدة قيمة اجتماعية وإنسانية عظيمة تعكس روح المجتمع السوداني وتماسكه.

أما اليوم، فقد تحولت كثير من تلك المشاعر إلى رسائل باردة وصور جاهزة تُرسل عبر الهاتف في ثوانٍ، ثم ينتهي كل شيء. تراجعت الزيارات، وضعفت اللقاءات الأسرية، وأصبح كثير من الناس يقضون ساعات العيد بين الشاشات وصفحات التواصل، بينما تخلو المجالس من دفء العلاقات الحقيقية.

المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، فالتقنية نعمة عظيمة إذا أُحسن استخدامها، لكنها تتحول إلى خطر حين يصبح الإنسان مستهلكًا فقط، يعيش على ما يصنعه الآخرون، ويقضي عمره في المشاهدة بدلاً من الفعل، وفي التلقي بدلاً من التفكير.

لقد أثّرت المقاطع القصيرة والسريعة على عقول كثير من الشباب بصورة مقلقة. أصبح البعض لا يملك الصبر لقراءة مقال، أو تعلم مهارة، أو متابعة فكرة عميقة تحتاج إلى تركيز ووقت. كل شيء يجب أن يكون سريعًا ومختصرًا، حتى لو كان فارغًا من القيمة والمعنى.

والأخطر من ذلك أن بعض الأسر أصبحت تربي أبناءها بالهواتف. الطفل يبكي فيُعطى هاتفًا، وينشغل فيُترك للشاشة، حتى أصبحت الأجهزة الذكية تقوم بدور الأسرة في التربية والتوجيه والتأثير، بينما يغيب الحوار الحقيقي داخل البيوت شيئًا فشيئًا.

كما أن كثيرًا من الشباب يعيشون حالة مقارنة مستمرة بالآخرين عبر مواقع التواصل، فيرون مظاهر الثراء والنجاح والحياة المثالية، فيشعر بعضهم بالإحباط أو الفشل، دون أن يدركوا أن ما يُعرض هناك ليس دائمًا الحقيقة الكاملة، بل صور منتقاة بعناية.

إن المجتمع الذي يستهلك كل شيء ولا ينتج شيئًا، يتحول مع الوقت إلى مجتمع ضعيف فكريًا وثقافيًا واقتصاديًا. فالأمم لا تُبنى بالمشاهدة، بل بالعلم والعمل والإبداع والإنتاج.

والسودان اليوم أحوج ما يكون إلى جيل واعٍ، متعلم، قادر على التفكير والعمل والبناء، لا جيل يعيش أسير الهاتف والشاشة والمحتوى الفارغ. نحن بحاجة إلى شباب يصنعون المعرفة، ويطورون مهاراتهم، ويستثمرون وقتهم فيما ينفعهم وينفع مجتمعهم ووطنهم.

كما أن الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية تقع عليها مسؤولية كبيرة في بناء الوعي الحقيقي، لأن معركة اليوم ليست معركة سلاح فقط، بل معركة عقل ووعي وقيم وهوية ومستقبل.

إن أخطر ما يمكن أن تخسره أي أمة ليس المال ولا المباني، بل الإنسان الواعي المنتج القادر على التفكير.

فهل نراجع أنفسنا قبل أن نفقد ما تبقى من قيمنا الجميلة، ونصبح مجتمعًا يستهلك كل شيء… حتى التراحم في الأعياد؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.