كسلا والاستثمار.. لماذا نخاف من المستقبل؟ بقلم: فخري فركاوي
ولاية كسلا ليست ولاية فقيرة كما يظن البعض، بل هي واحدة من أغنى ولايات السودان بالموارد الطبيعية والبشرية، فهي أرض المعادن النفيسة، والزراعة الواعدة، والثروة الحيوانية الضخمة، والموقع الجغرافي المتميز، إضافة إلى الإرث الثقافي والسياحي الكبير الذي يمكن أن يجعلها قبلة للاستثمار والتنمية في السودان كله.
لكن، وبرغم كل هذه المقومات، ما زالت الولاية تعاني من مشكلة حقيقية تعيق انطلاقتها نحو المستقبل، وهي ضعف تقبل بعض المجتمعات المحلية لفكرة الاستثمار، والنظر إلى المستثمر أحياناً بعين الريبة والخوف بدلاً من اعتباره شريكاً في التنمية والبناء.
كثير من المستثمرين يأتون إلى كسلا وهم يحملون أحلام إقامة المشاريع الكبرى، وتوفير فرص العمل، وتحريك عجلة الاقتصاد، لكنهم يصطدمون بواقع معقد من الرفض الاجتماعي والعراقيل غير المبررة، فيغادر بعضهم قبل أن يبدأ، بينما يتردد آخرون في خوض التجربة من الأساس.
الحقيقة التي يجب أن نعترف بها بشجاعة هي أن العالم اليوم لا ينتظر أحداً، والتنمية لا تأتي بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى بيئة جاذبة، واستقرار مجتمعي، وثقافة تؤمن بأن الاستثمار ليس تهديداً، وإنما فرصة لبناء المستقبل.
إن حكومة ولاية كسلا، وعلى رأسها السيد الوالي، تبذل جهوداً كبيرة في سبيل فتح أبواب التنمية والاستثمار، وتسعى بكل ما تستطيع لتوفير المناخ المناسب للمستثمرين، لكن نجاح أي مشروع استثماري لا يعتمد على الحكومة وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى مجتمع واعٍ يدرك قيمة الاستثمار وأثره على حياة الناس والأجيال القادمة.
نحن اليوم في حاجة حقيقية إلى نفرة مجتمعية كبرى للاستثمار، نفرة تقوم على التوعية والتثقيف، وتغيير المفاهيم الخاطئة، وإقناع الناس بأن المشاريع التنموية ليست خصماً على حقوقهم، بل هي إضافة حقيقية لهم ولأبنائهم.
لقد كتبت من قبل مقالاً بعنوان: ماذا لو فعلها الأزرق؟ تحدثت فيه عن أهمية إقامة مشاريع تنموية للشباب، واليوم أطرح سؤالاً جديداً:
ماذا لو فعلها النظار والعمد؟
ماذا لو قاد زعماء الإدارة الأهلية هذه المعركة الوطنية؟
ماذا لو خرج النظار والعمد والمشايخ إلى الناس يدعونهم إلى دعم الاستثمار وتشجيع التنمية؟
ماذا لو أصبحوا صوتاً للتغيير بدلاً من أن تظل بعض المجتمعات أسيرة الخوف والتردد؟
الإدارة الأهلية في كسلا ليست مجرد إرث اجتماعي، بل هي قوة مؤثرة قادرة على صناعة الوعي وتوجيه المجتمع، وإذا تبنت مشروع دعم الاستثمار والتنمية فإنها تستطيع أن تحدث تحولاً تاريخياً في الولاية.
إننا لا نطلب من أهلنا التنازل عن حقوقهم، بل نطلب منهم أن يكونوا شركاء في صناعة المستقبل، وأن يدركوا أن الاستثمار الحقيقي يعني مدارس أفضل، ومستشفيات أقوى، وفرص عمل للشباب، وطرقاً وخدمات وتنمية يستفيد منها الجميع.
التغيير قادم لا محالة، والسؤال ليس: هل سيتغير الواقع؟
بل السؤال الحقيقي: هل سنكون جزءاً من هذا التغيير أم سنقف متفرجين؟
كسلا تستحق أن تكون في مقدمة الولايات، وتستحق أن تتحول مواردها الهائلة إلى قيمة مضافة حقيقية، ولن يحدث ذلك إلا عندما تتوحد إرادة الحكومة والمجتمع والإدارة الأهلية والمستثمرين من أجل هدف واحد:
بناء ولاية قوية مزدهرة تليق بأهلها وتاريخها ومستقبل أبنائها.