ابناؤنا يدرسون للماضي لا للمستقبل.. لماذا ما زلنا نحاصرهم داخل كليات محددة؟ بقلم: فخري فركاوي

6

 

 

 

كل عام، ومع ظهور نتائج الشهادة السودانية وبدء التقديم للجامعات، تدخل آلاف الأسر في دوامة الأسئلة المعتادة:

الولد جاب كم؟

دخل طب ولا هندسة؟

والبنت مشت كلية شنو؟

وكأن مستقبل الأبناء كله محصور في عدد محدود من التخصصات التي تعارف الناس على اعتبارها قمة النجاح.

لكن الحقيقة التي نحتاج أن نواجهها اليوم بشجاعة هي أن العالم تغيّر، بينما ما زال كثير منا يفكر بعقلية قديمة لا تشبه الزمن الذي يعيش فيه أبناؤنا.

في السودان، للأسف، ما زالت نظرة المجتمع للتخصص الجامعي مرتبطة بالوجاهة الاجتماعية أكثر من ارتباطها بحاجات السوق أو قدرات الطالب نفسه. أحياناً يختار الأبناء تخصصاتهم تحت ضغط الأسرة والخوف من كلام الناس، لا بدافع الشغف أو الموهبة أو حتى الفرص الحقيقية الموجودة في المستقبل.

كم من طالب كان يمكن أن يبدع في مجال التقنية أو الزراعة الحديثة أو التصنيع أو إدارة الأعمال، لكنه دُفع إلى طريق لا يشبهه فقط لأن المجتمع يرى أن النجاح يجب أن يحمل اسماً معيناً.

المشكلة ليست في الطب أو الهندسة أو القانون، فهذه تخصصات مهمة وستظل كذلك، لكن المشكلة في حصر النجاح داخل هذه الدائرة الضيقة، بينما العالم يفتح أبواباً جديدة كل يوم لتخصصات أصبحت اليوم من أكثر المجالات طلباً وتأثيراً.

العالم الآن يتجه نحو الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والطاقة المتجددة، والتصنيع الغذائي، والزراعة الذكية، وتحليل البيانات، وإدارة سلاسل الإمداد، والتكنولوجيا الصناعية. وهذه ليست مجرد أسماء حديثة أو موضة عابرة، بل قطاعات ستقود الاقتصاد خلال السنوات القادمة.

والسودان تحديداً يحتاج إلى هذه العقول أكثر من أي وقت مضى.

نحتاج إلى شباب يفكرون في تطوير الزراعة، وتحسين التصنيع الغذائي، وإدارة المياه، وبناء حلول تقنية، وتأمين الأنظمة الرقمية، وخلق مشاريع جديدة، لا فقط انتظار وظيفة حكومية قد لا تأتي.

كثير من أولياء الأمور يعتقدون أن الأمان في التخصص المعروف، لكن الحقيقة أن الأمان اليوم أصبح في المهارة، وفي القدرة على التطور، وفي اختيار المجال الذي يحتاجه المستقبل فعلاً.

الطالب الذي يدرس مجالاً يحبه ويبدع فيه، ستكون فرص نجاحه أكبر بكثير من طالب دخل تخصصاً لا يناسبه فقط لإرضاء المجتمع. لأن التفوق الحقيقي لا يصنعه اسم الكلية وحده، بل يصنعه الإنسان نفسه.

رسالتنا اليوم لكل أسرة سودانية:

لا تجعلوا أحلام أبنائكم رهينة لنظرة الناس.

اسألوا أبناءكم ماذا يحبون، وأين يمكن أن يبدعوا، وما المجالات التي يمكن أن يصنعوا فيها فرقاً حقيقياً.

فالمستقبل لن يسأل أبناءنا: دخلت كلية شنو؟

بل سيسألهم: ماذا تستطيع أن تقدم؟

وما المهارة التي تملكها؟

وما القيمة التي تضيفها لبلدك ولمجتمعك؟

بعض التخصصات التي لا تجد اهتماماً كبيراً اليوم، قد تكون بعد سنوات قليلة هي الأكثر تأثيراً وطلباً. لذلك، من المهم أن نوسع نظرتنا، وأن نفهم أن النجاح لم يعد طريقاً واحداً كما كان في السابق.

أحياناً… الطريق الذي لا يراه الناس اليوم، هو نفسه الطريق الذي يقود إلى المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.