السودان و القرن الأفريقي ..عندما تتحول حرب داخلية إلى فتيل إقليمي بقلم: محمد السماني
لم تعد معركة الخرطوم مجرد اشتباك بين مؤسستين عسكريتين على السلطة. لقد تحولت إلى عقدة جيوسياسية تتشابك فيها مصالح إقليمية ودولية، فجعلت من السودان ساحة مفتوحة لتسوية حسابات لا علاقة لها بمعاناة السودانيين.
. تدويل الحرب بالسلاح و المال
ما بدأ كخلاف حول هيكلة الجيش باسم (الاتفاق الاطاري) الي انزلق سريعاً إلى حرب حديثة تقودها المسيرات والسلاح الثقيل. تقارير موثقة تشير إلى أن أسلحة مصنعة حديثاً من الصين و الإمارات وصربيا تصل إلى مناطق النزاع بكثافة.
الدعم السريع يموّل عملياته العسكرية عبر تهريب الذهب إلى الإمارات وكينيا وإثيوبيا، التي تضاعفت أرقام إنتاجه للذهب بعد إعلانها دعمها للطرف المتمرد. وفي المقابل، يستند مؤسسات الدولة السودانية على رأسها القوات المسلحة إلى المجهود المحلي.
النتيجة واضحة: لم يعد الصراع حرباً أهلية بين جنرالين، بل أصبح حرباً بالوكالة تمتد شبكاتها المالية والعسكرية عبر ثلاث قارات.
. امتداد الشرارة إلى القرن الأفريقي
أولاً: جنوب السودان وتشاد
تحالف الدعم السريع مع الحركة الشعبية شمال بقيادة عبد العزيز الحلو في فبراير 2025، وإعلانه حكومة موازية، دفع مجلس الأمن و الدفاع الي تحزير قوي لجنوب السودان بأن انهيار جوبا يعني استحالة فصل حربها عن حرب الخرطوم.
ثانياً: إثيوبيا و الصومال
الإمارات تستخدم موانئ بربرة وبوساسو في صوماليلاند وبونتلاند جسراً لإمداد إثيوبيا والدعم السريع بالسلاح. وتأكد في فبراير 2026 أن أديس أبابا تستضيف مقاتلي الدعم السريع وتسهل تحركاتهم نحو النيل الأزرق. في المقابل، ألغت مقديشو عقودها مع الإمارات مطلع 2026، وتصاعد التوتر حول اتفاقية ميناء بربرة يهدد بفتح جبهة جديدة.
ثالثاً: محور البحر الأحمر
إريتريا انحازت للجيش، بينما تتقاطع مخاوف مصر والسعودية من التمدد الإماراتي في الممر المائي الاستراتيجي. الرياض نفسها بدأت تندد علناً بجرائم مجموعات مدعومة من أبوظبي في السودان.
خطر اندماج الحروب
المقلق ليس استمرار حرب السودان وحدها، بل اندماجها مع أزمات المنطقة الأخرى: صراع إريتريا وإثيوبيا، أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا، الحرب في الصومال، والتصدع الخليجي بين الرياض وأبوظبي.
بعض مراكز الدراسات تتحدث عن سيناريو “حرب عالمية مصغرة” في شمال شرق أفريقيا قد تلتحم مع مسار المواجهة الإيرانية-الإسرائيلية في البحر الأحمر. وهنا تكمن الخطورة: المنطقة تتحكم في 12% من التجارة العالمية، وأي انفجار فيها يعني صدمة اقتصادية دولية.
الثمن: يدفعه المدنيون
والتقارير تتحدث عن تطهير عرقي في الجنينة والفاشر. والمسيرات الدعم السريع وحدها قتلت 880 مدنياً منذ يناير 2026.
أين المخرج؟
كل جولات جدة وجنيف والمنامة تعثرت، لأن الأطراف الخارجية ترفض أن يتنازل “حليفها”. الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وواشنطن يطالبون بوقف النار، لكن بلا ضغط على ممولي الحرب يبقى الحديث دبلوماسية بلا أنياب.
خلاصة القول:
حرب السودان لم تعد شأناً داخلياً. هي مرآة مكبّرة لأزمة القرن الأفريقي: صراع على الموانئ والموارد والنفوذ. وإذا لم يُحتوَ الحريق الآن، فالمرجح أن ينزلق الإقليم إلى حرب متعددة الجبهات يستحيل إطفاؤها.
السؤال الذي لم يُجب عليه بعد: هل تدرك القوى الإقليمية أن استنزاف السودان يعني استنزافها هي، أم ستترك القرن الأفريقي يحترق حتى آخره؟