فخري فركاوي … يكتب:ماذا لو فعلها الأزرق؟

0 7

 

 

تمتلك ولاية كسلا مقومات نادرة قد تحسد عليها ولايات السودان كلها: أراضٍ شاسعة خصبة تنتظر من يحرثها، ونهر القاش الذي يرويها بمياهه، وشبابٌ غض يموج بهم الشارع الكسلاوي، يحملون أفكاراً وطاقات وإرادة للإنتاج، لكنهم يبحثون عن يد تمتد إليهم، وعن قائد يثق فيهم، وعن فرصة تثبت لهم وللجميع أنهم قادرون على العطاء.

السؤال الذي يطرح نفسه : ماذا لو قام والي ولاية كسلا، اللواء معاش الصادق الأزرق، بفعلها من جديد؟ ماذا لو قاد بنفسه نفرة زراعية كبرى يستقطب فيها هؤلاء الشباب، تماماً كما قاد النفرة التي حولت مطبات وحفر شوارع كسلا إلى أسفلت ناعم؟

فالجميع يتذكر كيف كان الأزرق ينزل بنفسه إلى مواقع العمل، يراقب عمال الطرق، يحثهم على الاجتهاد، ويشرف على التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة. لم يكن والياً يجلس في مكتبه يصدر الأوامر، بل كان قائداً في الميدان، يتسخ حذاؤه بالأسفلت، ويشارك رجاله همّ الطريق قبل فرحتهم بإنجازه. واليوم، وبعد أن اكتملت صورة طرق كسلا وأصبحت نموذجاً ، لم يعد أمام الأزرق إلا أن يتجه إلى التحدي الأكبر: الأرض.

فولاية كسلا تمتلك أخصب الأراضي التي تصلح للزراعة بمختلف أنواعها، لكن الغالبية العظمى منها لا تزال غير مستغلة، أو مستغلة بشكل بدائي لا يواكب العصر. وفي المقابل، تعاني كسلا من بطالة شبابية مزمنة، شباب يملكون القدرة على الإنتاج، ويملكون الأفكار، ويحتاجون فقط إلى من يفتح لهم الطريق، ويوفر لهم الأرض، ويمدهم بالبذور والمعدات، ويقف معهم في بداية المشوار.

وليس الشباب وحدهم هم من يمكن استنهاضهم. فولاية كسلا تزخر برجال أعمال مخلصين، مهمومين بولايتهم، وقدموا أدلة لا تحصى على ذلك. فما إن نزلت قوات الدعم السريع تغزو البلاد، حتى بادر رجال الأعمال في كسلا إلى تنظيم القوافل، وتسيرها إلى الولايات الأخرى، ودعم القوات المسلحة بكل ما يملكون. إنهم لا يبخلون على وطنهم وولايتهم بشيء، فإذا ما لمسوا الجدية، وإذا ما رأوا قائداً ينزل إلى الميدان، وإذا ما تأكدوا أن أموالهم ستذهب إلى مشاريع حقيقية فإنهم سيبادرون بدفع من حر مالهم، تماماً كما بادروا في أحلك الظروف.

إذا نظرنا إلى الأمر بعين المتأمل، نجد أن أركان النجاح الثلاثة مكتملة:

· والٍ نشيط يملك فكراً تنموياً، وجرأة على اتخاذ القرارات غير التقليدية، وخبرة في قيادة المشاريع الكبرى من الميدان.

· شباب همم، على استعداد للعمل والتطوع، يملكون الطاقة والقدرة على الإنتاج، ويبحثون عن فرصة تخرجهم من دائرة البطالة إلى دائرة العطاء.

· رجال أعمال قلوبهم على ولايتهم، وأيديهم مبسوطة بالخير، ينتظرون فقط من يرشدهم إلى المشاريع الحقيقية التي تستحق الدعم.

فلنتخيل معاً كيف سيكون النجاح إذا قام الأزرق بتحريك هذه الأركان الثلاثة معاً. تخيلوا مئات الشباب وقد نزلوا إلى الحقول، ليس كعمال مأجورين، بل كشركاء في مشروع وطني كبير. تخيلوا والي الولاية ينزل بينهم ولو لساعة واحدة كل يوم، يحمل معولاً أو يحرث أرضاً، أو يقف يشجعهم ويثني على جهودهم. تخيلوا رجال الأعمال وهم يتسابقون لتمويل هذه النفرة، يبنون الصوامع، ويشترون المعدات، ويسهلون عملية التسويق. تخيلوا كسلا وقد تحولت إلى سلة غذاء السودان، يفيض إنتاجها عن حاجتها، وتصدر الفائض إلى بقية الولايات، بل إلى خارج الحدود.

لماذا لا تقوم المحاولة على مساحة من الأرض كنموذج تجريبي؟ لماذا لا يتم تخصيص ألف فدان في منطقة معينة، يتم توزيعها على مجموعات شبابية، وتزويدهم بالبذور والمعدات، ويكون الإشراف عليها مباشرة من قبل السيد الوالي؟ النجاح في هذه المساحة سيكون كفيلاً بفتح شهية الجميع لتوسيع التجربة، وسيرى المتشككون بأم أعينهم أن الزراعة يمكن أن تكون مربحة، وأن الشباب قادرون، وأن الأرض تمنح من يعطيها حقه.

هذه الفكرة ليست ضرباً من الخيال، بل هي ذات النموذج الذي نهضت به دول بأكملها. فالتاريخ الحديث يحفل بتجارب عالمية استطاعت أن تنهض ببلادها عندما تكاتف فيها المجتمع بكل أطيافه، وقادها حكام مؤمنون بأن التنمية تبدأ من الميدان.

في رواندا، وبعد الإبادة الجماعية التي دمرت كل شيء، لم ينتظر الرئيس بول كاغامي المساعدات الخارجية فقط. بل أطلق مبادرات مجتمعية إجبارية وطوعية، أبرزها (أوموغاندا) يوم التطوع الشهري الذي يشارك فيه الرئيس بنفسه مع المواطنين لبناء المدارس وشق الطرق وتشجير الأراضي. هذا المزيج بين القيادة الميدانية والمشاركة المجتمعية حول رواندا من رماد إلى واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في أفريقيا، وأصبحت عاصمتها كيغالي أيقونة النظافة والنظام في القارة.

في الصين، كانت البداية عندما قاد الحزب الشيوعي حملات وطنية لاستصلاح الأراضي الصحراوية. نزل القادة العسكريون والمدنيون إلى الميدان، وحشدوا ملايين الشباب والفلاحين، حولوا الصحاري إلى غابات وحقول. لم تكن هذه الحملات مجرد مشاريع زراعية، بل كانت مدرسة لبناء الإنسان وتعزيز الانتماء.

أقرب إلينا، في بنغلاديش، لم ينتظر محمد يونس أن تتدخل الحكومة لحل مشكلة الفقر. بل انطلق بفكرة بسيطة: إقراض الفقراء بدون ضمانات. اليوم، بنك غرامين ليس مجرد بنك، بل هو نموذج تنموي عالمي أثبت أن الفقراء يمكن أن يكونوا سنداً لأنفسهم إذا أعطيتهم الفرصة. وشباب كسلا ليسوا أقل من فقراء بنغلاديش، بل هم على الأرجح أكثر قدرة وأكثر حماساً.

أما في السودان نفسه، فالتجربة ليست ببعيدة. فالذي يزور كسلا اليوم ويرى شبكة الطرق المتقنة التي أنجزها الأزرق، لا يمكنه إلا أن يقر بأن النموذج الذي نادت به دول العالم قد طُبّق هنا بأيدٍ سودانية خالصة. نفس العزيمة، نفس النزول إلى الميدان، نفس المتابعة اليومية، يمكن أن تتجه اليوم من الأسفلت إلى الحقول.

حان وقت الانتقال من الطريق إلى الحقل

لقد أثبت الأزرق أنه قائد استثنائي عندما راهن على الطرق ونجح. لقد أثبت شباب كسلا أنهم على قدر المسؤولية عندما استجابوا وشاركوا في ورش العمل وتفاعلوا مع مبادرات التطوع. لقد أثبت رجال الأعمال الكسلاويون أن كرمهم لا يعرف حدوداً عندما سارعت قوافلهم إلى دعم الوطن في أحلك ساعاته.

فماذا لو اجتمع كل هذا في مشروع واحد؟ ماذا لو فعلها الأزرق مرة أخرى، وأعلن نفرة زراعية كبرى، ونزل بنفسه إلى الحقل، وفتح الباب للشباب، ودعا رجال الأعمال للمشاركة؟

اليوم، والبلاد تمر بظروف استثنائية، والحاجة إلى الغذاء تزداد، والأسعار ترتفع، والشباب يبحثون عن عمل، والأرض تنتظر من يحرثها. كل الظروف مهيأة، وكل الأركان مكتملة، ولم يبق إلا القرار.

فليفعلها الأزرق، وليثبت للجميع أن كسلا لا تقل عن رواندا، وأن شبابها لا يقلون عن شباب بنغلاديش، وأن زراعتها يمكن أن تكون قصة نجاح جديدة تضاف إلى سلسلة إنجازاته.

كسلا تستحق. وشبابها يستحقون. والأرض تنتظر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.