عقيدة الصبر الطويل: كيف بنت إيران ترسانتها وكيف يبني السودان نهضته؟ بقلم: فخري فركاوي
في عام 1979، وبينما كانت الثورة الإيرانية في أوجها، اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأمريكية في طهران، فشرع الموظفون الأمريكيون في تمزيق آلاف الوثائق والخرائط والخطط السرية التي كانت تهدف إلى زعزعة الثورة الوليدة، ظانين أن هذه القطع الصغيرة من الورق ستدفن معالم المؤامرة إلى الأبد. لكن الإيرانيين فاجأوا العالم: استعانوا بخبراء في صناعة السجاد، تدربوا على دقة التعامل مع الخيوط والألوان، وبدأوا عملية ترميم شاقة استمرت سنوات، حتى تم تجميع آلاف الصفحات التي تحولت إلى كتاب من 77 مجلداً بعنوان وثائق من وكر التجسس ثم حولوا مبنى السفارة إلى متحف دائم يفضح المخططات الأمريكية أمام الأجيال.
هذا المشهد الذي حدث قبل خمسة وأربعين عاماً لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل كان المؤسس الحقيقي لعقيدة إيرانية راسخة: عقيدة الصبر الاستراتيجي الطويل. فبينما كانت أمريكا تراهن على الانتصار السريع بتدمير الوثائق، كان الإيرانيون يراهنون على عمل شاق يستمر لسنين. وبينما كانت واشنطن تتوقع نهاية سريعة للأزمة، كان الطلاب الإيرانيون يبنون متحفاً سيظل شاهداً على الفضيحة لعقود. وهذا الصبر نفسه هو الذي مكنهم بعد ذلك من بناء ترسانة صاروخية هي الأكبر في المنطقة، وتطوير شبكة دفاع جوي فسيفسائية لا يمكن تدميرها بضربة واحدة، والصمود لأكثر من أربعين يوماً أمام أعنف قصف في تاريخ المنطقة، وإسقاط طائرات أمريكية متطورة وإغراق سفن حربية وإغلاق مضيق هرمز. إنهم يمتلكون أقوى سلاح في العالم: سلاح الصبر والتخطيط طويل المدى.
وهنا يأتي السؤال الموجع: ماذا عنا نحن في السودان؟ ألسنا في أمس الحاجة إلى هذا السلاح بعينه؟ نحن بلد حباه الله بكنوز لا تُحصى: أرض زراعية تمثل قبلة العالم للاستثمار، وثروة حيوانية هائلة، وذهب، وكروم، ويورانيوم، ونفط، وموقع استراتيجي جعل منه سلة غذاء العالم في الماضي. لكن العائق الأكبر الذي يقف بيننا وبين استغلال هذه النعم ليس نقص الموارد، وليست المؤامرات الخارجية وحدها، بل هو عجزنا عن الصبر على العمل الذي لا يأتي ثماره بين عشية وضحاها. فالمواطن السوداني لا يستطيع اليوم أن يصبر على زراعة شجرة مثمرة ستبدأ في الإنتاج بعد ثلاث أو أربع سنوات، وستبقى تعطي أجيالاً وأجيالاً بعد ذلك. هذا العجز عن الصبر هو الذي جعلنا نرهن مستقبلنا للخارج، ونبيع مواردنا الخام بأسعار بخسة، ونظل أسرى ثقافة الاستيراد والاستهلاك بدل الإنتاج والتصنيع.
نحن نحتاج اليوم إلى استراتيجية وطنية تقوم على الصبر الإيراني نفسه. إيران التي حوصرت بالعقوبات لأكثر من أربعة عقود، لم تنتظر الحلول السريعة، بل استثمرت في تعليم أبنائها وفي البحث العلمي وفي الصناعات المحلية، حتى أصبحت اليوم دولة قادرة على صناعة الصواريخ والطائرات المسيرة في الداخل. نحن في السودان نملك من الإمكانات ما لا تملكه إيران، لكننا نفتقر إلى ثقافة الصبر على العمل الطويل الأمد. أي وزير زراعة يجرؤ اليوم على اقتراح خطة تمتد لعشر سنوات لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح سيواجه باتهامات بالتقصير في عامه الأول. وأي مستثمر يفكر في إنشاء مصنع يحتاج إلى ثلاث سنوات ليكتمل سيجد نفسه وحيداً في السوق دون دعم حقيقي.
إن دروس الحرب التي نعيشها اليوم، والتي نرى فيها كيف أن الصبر الإيراني هو الذي صنع الفارق في مواجهة أعتى قوة عسكرية في العالم، يجب أن تكون محطة تأمل لنا جميعاً. الجيش السوداني يصمد الآن بفضل صبر جنوده وتضحياتهم، لكن صمود الدولة على المدى الطويل لن يتحقق إلا إذا تعلمنا من الإيرانيين كيف نبني خططاً تمتد لعقود، وكيف نزرع أشجاراً لا نأكل ثمارها بأنفسنا بل يقطفها أبناؤنا وأحفادنا من بعدنا.
لقد أثبتت السنوات الثلاث الماضية أن السودانيين قادرون على الصبر عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الأرض والعرض، فقد استنفروا وتطوعوا وصبروا على فقد الأحبة والأبناء. فلماذا لا نفسر هذا الصبر ذاته إلى صبر على العمل والإنتاج والبناء؟ لماذا لا نحول روح المقاومة التي أيقظتها الحرب إلى روح تنموية تبني المدارس والمصانع والطرق والمزارع؟
في الختام، لا بد أن نستخلص من تجربة إيران أن الحضارات لا تبنى بين عشية وضحاها، وأن الاستعداد للحروب الطويلة يبدأ بالاستعداد للتنمية الطويلة، وأن أقوى سلاح في وجه الأعداء ليس الصاروخ فقط، بل هو شعب يملك من الصبر ما يمكنه من زراعة شجرة اليوم ليأكل ثمارها أبناؤه غداً. السودان يحتاج إلى ثورة في ثقافة العمل، تبدأ من المدرسة والجامعة والإعلام، وتؤسس لقيم جديدة تقوم على الصبر والتخطيط والاستمرارية، لا على العجلة والارتجال والبحث عن حلول سريعة لمشاكل عمرها عقود. هذا هو الطريق الوحيد لتحويل نعم الله التي حبانا بها إلى قوة حقيقية تحمينا وتجعلنا في مصاف الدول التي لا ترهبها تهديدات ولا تخيفها مؤامرات.