الفريق ياسر العطا رئيساً لأركان الجيش السوداني: قراءة في أبعاد القرار وتداعيات المرحلة بقلم: د. طاهر موسى الحسن
في أول من شهر أبريل الجاري أصدر الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة، قراراً ذات دلالات وأبعاد استراتيجية قضى بتعيين الفريق ياسر عبد الرحمن حسن العطا رئيساً لأركان الجيش السوداني، خلفاً للفريق محمد عثمان الحسين الذي ظل في المنصب منذ عام 2019م .
ولم يقتصر القرار على منصب رئيس الأركان، بل شمل تعيين أربعة مساعدين كل منهم يتولى ملفاً محدداً: الإدارة، العمليات، التدريب، الإمداد، بالإضافة إلى تعيين رئيس جديد لهيئة الاستخبارات العسكرية لتوزيع المهام بشكل علمي يمنع تركز القرار في يد واحدة، حسب رؤية القيادة العامة.
هذا القرار يمثل أكبر تغيير في هرم القيادة العسكرية منذ اندلاع الحرب قبل نحو ثلاث سنوات في تحول استراتيجي يرسم ملامح المرحلة المقبلة في الحرب ضد مليشيا الدعم السريع الإرهابية.
أبعاد القرار:
* مواقف الرجل القوية خلال المعركة: حيث برز الفريق ركن ياسر العطا بقوة خلال حرب الكرامة كواحد من أبرز مهندسي العمليات العسكرية، خاصة في جبهة أم درمان حيث تولى ملف العمليات هناك منذ الأيام الأولى للحرب. لقد أثبت الرجل قدرته على قراءة الميدان وفهم طبيعة المعركة غير المتماثلة التي يخوضها الجيش ضد مليشيا إعتمدت على حرب العصابات والزحف الآلي، واستطاع الرجل أن يكون صوتاً جهورياً في كشف مؤامرات الأعداء، خاصة موقفه الحاد والمعلن من الإمارات ودورها في دعم وتمويل المليشيا.
* تثبيت خيار الحسم العسكري واستمرارية الحرب وهي الرسالة التي بعث بها البرهان عبر تعيين العطا ومفادها أن هذه الحرب لن تتوقف عند حدود التفاوض تحت وطأة الإملاءات الخارجية. فالعطا، كما تشير التحليلات، يُصنف ضمن تيار الصقور داخل المؤسسة العسكرية، وهو من أشد الداعين إلى استمرار الحرب حتى تحقيق النصر الكامل، ورفض أي ترتيبات سياسية تعيد إنتاج المشهد القديم أو تشرك المليشيا في المستقبل السياسي للبلاد . ووفقاً لمصادر عسكرية رفيعة، فإن العطا كان من بين الأصوات الأولى التي دعت إلى الانتقال من مفهوم العقيدة الدفاعية إلى العقيدة القتالية المزدوجة التي تجمع الهجوم والدفاع من خلال التعبئة الشعبية والاعتماد على المقاومة الشعبية والمتطوعين إلى جانب القوات النظامية. وهذا يؤكد أن استراتيجية الجيش في المرحلة القادمة ستتجه نحو حرب استنزاف طويلة، هدفها تفتيت قدرات المليشيا واستنزافها عسكرياً واقتصادياً، وليس مجرد استعادة مناطق ثم الجلوس إلى طاولة مفاوضات.
* جاء تعيين العطا ليقول إن الجيش لن يتخلى عن حلفائه الذين وقفوا معه في أحلك الظروف، وإن أي ترتيبات سياسية مقبلة يجب أن تراعي هذه الحقيقة. فالتصريحات المنسوبة للعطا والتي قال فيها صراحة إن الإخوان الذين يقاتلون معنا نضعهم فوق رؤوسنا.
* هذا التغيير في قيادة الأركان لن يمر دون ردود فعل لا سيما على المستوى الإقليمي، فسوف يكون هذا التعيين مصدر قلق لبعض دول الجوار التي تراهن على إنهاء الحرب مبكراً بترتيبات لا ترضي الطموحات الوطنية السودانية. فالعطا الذي اتهم الإمارات صراحة بدعم المليشيا، لن يكون مرناً في التعامل مع الضغوط الخارجية التي تهدف إلى تمرير صفقة على حساب الدماء السودانية. كما أن تعيينه قد يدفع بعض الأطراف الإقليمية إلى تصعيد دعمها للمليشيا، في محاولة لتحقيق مكاسب قبل أن يتمكن الجيش من حسم المعركة بالكامل.
* على المستوى الميداني، يمكن القول إن المعركة الآن دخلت مرحلة جديدة. فالعطا الذي أشرف على تنظيم عمليات كبرى في أم درمان وتمكن من قلب موازين القوى هناك، سيعمل على تعميم هذا النموذج على بقية الجبهات. فالاستنفار الشعبي الذي كان أحد أوراقه الرابحة في معركة الكرامة، سيشهد مزيداً من التنظيم والتسليح، وستتحول لجان المقاومة الشعبية من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم، خاصة في المناطق التي لا تزال المليشيا تسيطر على أجزاء منها.
* الرسالة التي بعث بها القائد العام من خلال هذا التعيين واضحة وهي أن الجيش السوداني ماضٍ في طريقه حتى النصر، ولن تثنيه الضغوط الإقليمية والدولية عن استكمال مهامه، ولن يقبل بأي ترتيبات سياسية تعيد إنتاج الأسباب التي أدت إلى هذه الحرب.
ختاما يمكننا القول ان تعيين الفريق ياسر العطا رئيساً لأركان الجيش السوداني هو خطوة في الاتجاه الصحيح، تعكس رغبة القيادة السياسية والعسكرية في إعادة هيكلة الجيش وفق رؤية جديدة تتناسب مع طبيعة المرحلة. فالفريق ركن ياسر بكل ما يحمله من خبرات ميدانية ومواقف سياسية واضحة، هو الرجل المناسب في المكان المناسب لقيادة أركان الجيش في معركة تحرير كل شبر من تراب الوطن.
* أما المليشيا وحلفاؤها، فعليهم أن يقرؤوا هذه التغييرات جيداً. فالحكومة السودانية اليوم أكثر إيماناً بخيار الحسم العسكري، وأكثر قدرة على إدارة معركة الاستنزاف الطويلة. بعد دخول المعركة مرحلة جديدة، عنوانها: النصر أو الشهادة، ولا مكان فيها للمواقف الرمادية. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.