سلسلة مقالات في السيادة والسلام والقرار الوطني (1-2) ما وراء ضجة مسقط وكيغالي والبحرين  بقلم: د. الطاهر موسى الحسن

2

 

 

 

خلال الأيام الماضية انشغلت الساحة السياسية والإعلامية بأحاديث متلاحقة عن لقاءات ومفاوضات قيل إنها جرت أو يجري الترتيب لها في مسقط أو البحرين أو كيغالي، كما تداولت بعض المنصات الإعلامية الدولية تقارير تحدثت عن اتصالات وتفاهمات بين السودان ودويلة الإمارات العربية المتحدة.

لكن السيد رئيس مجلس السيادة الإنتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان حسم الجدل بنفي واضح وصريح، مؤكداً عدم وجود أي مفاوضات أو لقاءات سرية في تلك العواصم، ونافياً كذلك ما تم تداوله بشأن وجود ترتيبات غير معلنة مع الجانب الإماراتي.

، فالقضية أصبحت لا تتعلق بصحة تلك الأخبار أو عدم صحتها، فهذه مسألة أوضحها النفي الرسمي. لكن ما هو لافت للإنتباه شيء آخر أكثر أهمية.

لماذا وجد هذا الخبر كل هذا الاهتمام؟

ولماذا أصبح الشارع السوداني يتعامل بحساسية بالغة مع أي حديث يتعلق بالمفاوضات أو التسويات السياسية أو الوساطات الخارجية؟

بل لماذا أصبحت أخبار الاجتماعات السياسية أكثر إثارة للجدل أحياناً من أخبار العمليات العسكرية نفسها؟

أعتقد أن الإجابة تكمن في أن السودانيين لم يعودوا ينظرون إلى الحرب باعتبارها مجرد معركة عسكرية تدور في دارفور أو كردفان، أو النيل الأزرق وإنما باعتبارها معركة أكبر تتعلق بمستقبل الدولة السودانية نفسها.

فكلما طالت الحرب، ازداد الحديث عن اليوم التالي للحرب.

وكلما اقتربت البلاد من لحظة الحسم العسكري، ازدادت الأسئلة حول شكل التسوية السياسية التي قد تعقب ذلك.

وهنا يبدأ القلق المشروع.

لأن المواطن السوداني المتابع يدرك أن الحروب لا تنتهي دائماً في ميادين القتال، بل كثيراً ما تنتهي حول موائد التفاوض. كما يدرك أن بعض القرارات المصيرية التي تؤثر على مستقبل الدول لا تُصنع دائماً داخل حدودها.

ولذلك لم يكن غريباً أن تثير أي أخبار تتعلق بمفاوضات محتملة كل هذا الجدل.

فالناس لا تسأل فقط: هل هناك مفاوضات؟

بل تسأل أيضاً: من يتفاوض؟ ومن يضع الأجندة؟ ومن يرسم ملامح المرحلة المقبلة؟ ومن يملك حق الحديث باسم السودان؟

هذه الأسئلة ليست نتاج الشكوك أو نظرية المؤامرة كما قد يتصور البعض، بل هي أسئلة فرضتها تجارب السنوات الماضية، سواءا في السودان أو في دول أخرى مرت بظروف مشابهة.

لقد شهد العالم عشرات النزاعات التي بدأت بحروب وانتهت بتسويات سياسية صاغتها قوى إقليمية ودولية أكثر مما صاغتها الشعوب نفسها. وفي بعض الحالات أنتجت تلك التسويات استقراراً مؤقتاً، لكنها فشلت في معالجة جذور الأزمات لأنها لم تنطلق من الإرادة الوطنية الحقيقية.

ومن هنا أعتقد أن النقاش الذي يحتاجه السودان اليوم لا يتعلق فقط بوقف الحرب، وإنما بما هو أبعد من ذلك.

نحتاج أن نتحدث بوضوح عن طبيعة الأدوار التي تلعبها المنظمات الدولية ومراكز الوساطة وشبكات التأثير السياسي في مناطق النزاعات.

ونحتاج أن نفهم كيف تُدار ملفات السلام الحديثة.

ونحتاج قبل ذلك كله أن نحدد نحن، كسودانيين، ما هو السلام الذي نريده، وما هي الخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاوزها تحت أي ظرف.

لأن السؤال الحقيقي لم يعد: هل توجد مفاوضات مع المتمرين أو الدويلة!

السؤال الحقيقي هو: من يصوغ مستقبل السودان؟

وهل سيكون السودانيون أنفسهم هم أصحاب الكلمة الأخيرة، أم أن الآخرين سيواصلون كتابة مستقبل هذا البلد نيابة عنه؟

ذلك هو النقاش الذي حان الوقت لفتحه بكل وضوح.

في المقال القادم نتوقف عند قضية أحسب أنها من الأهمية لمكان، وهي الكيفية التي يمكن أن تتحول بها بعض مسارات السلام والوساطات الدولية إلى أدوات لإعادة تشكيل البيئات السياسية داخل الدول الخارجة من النزاعات، فيما يمكن تسميته بـالهندسة الخفية لاستهداف الدول من داخل ملفات السلام .

ولعل فهم هذه القضية أصبح ضرورة لكل من يريد أن يفهم ما يجري حول السودان اليوم.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.