أخطر أيام في تاريخ الصراع: قراءة في المشروع التلمودي ونبوءات الهيه …بقلم دكتور طاهر موسى الحسن

0 15

 

بينما تنشغل وسائل الإعلام بسرديات السياسة الآنية، تمر المنطقة بلحظة فارقة… نحن على بُعد أسبوع واحد فقط من عيد الفصح اليهودي (بيساح)، وهو التوقيت الذي يعتبره التيار الصهيوني المتطرف الأمثل لنحر البقرة الحمراء وتقديم قربان بيساح طقس ديني مرتبط بشكل مباشر بعقيدة بناء الهيكل المزعوم.

ما يحدث ليس مجرد مناورات سياسية عابرة، بل هو مسرحية عقائدية كُتب سيناريوها قبل آلاف السنين في نصوص يعتبرها اليمين المتطرف في الكيان واليمين المسيحي الإنجيلي في أمريكا “نبوءات يجب تحقيقها…

البقرة الحمراء وكسر قرني الكبش: الشروط التلمودية لقيام الهيكل

بحسب العقيدة التلمودية، لا يمكن بناء الهيكل المزعوم إلا بعد تحقق شرطين أساسيين:

1. ظهور البقرة الحمراء وهي بقرة لا يوجد في جلدها شعرة واحدة غير حمراء، ويتم ذبحها وحرقها لاستخدام رمادها في التطهير. وقد أعلنت المؤسسات الدينية في الكيان مؤخرًا ولادة بقرة حمراء في إسرائيل لأول مرة منذ ما يقرب من ألفي عام، وهو ما اعتبروه علامة إلهية توشك أن تتحقق.

2. كسر قرني الكبش وهو تعبير مستوحى من سفر دانيال (الإصحاح 8)، حيث يفسر الحاخامات والتيار الصهيوني المسيحي الكبش بأنه يرمز إلى فارس (إيران)، و”كسر قرنيه” يعني تدمير القوة العسكرية والروحية لإيران، وهو ما يزعم أن الكيان بدأ فيه بالتعاون مع الإدارة الأمريكية تحت مسمى “عملية الغضب الملحمي التي شُنَّت في فبراير الماضي.

من هذا المنطلق، فإن الحرب المفتوحة على إيران ليست حربًا حدودية تقليدية، بل هي طقس ديني يسبق قيام الهيكل في المعتقد اليهودي المتطرف، وهو ما يفسر الإصرار الغريب على التصعيد حتى في لحظات الضعف الاستخباراتي والعسكري.

اليمين المسيحي والملك الألفي: العقيدة التي تحرك واشنطن

عندما صرح السيناتور الأمريكي الأشهر ليندسي جراهام قبل ضرب إيران بأيام قائلاً: “إننا على أبواب تغيير الشرق الأوسط لألف عام قادمة لم يكن يتحدث بلغة السياسة الواقعية، بل كان يعبر عن عقيدة الملك الألفي في الفكر الإنجيلي، التي تنص على أن عودة المسيح وقيام ملكه الألفي لا يمكن أن تحدث قبل بناء الهيكل المزعوم في القدس، وهذا البناء لا يمكن أن يتم دون تطهير المنطقة وفق رؤيتهم العقدية.

هذا التحالف العقدي بين الصهاينة المتطرفين واليمين المسيحي الأمريكي هو الذي يفكك لنا ما يبدو للوهلة الأولى تناقضًا في السياسة الخارجية الأمريكية. فما يراه المراقب جنونًا سياسيًا” هو في الحقيقة منطق عقائدي مُحكم يرتبط بقراءة نصوص دينية لا تخضع لمراجعات الجغرافيا السياسية التقليدية. حين تعثرت الحرب ولم تُكسر القرون لم تسر الحرب كما خطط لها. فالمقاومة الإيرانية وامتداداتها الإقليمية أثبتت أن معادلات الردع لم تعد كما كانت، وأن المشروع الذي راهن على حرب خاطفة تحول إلى مستنقع استنزاف. هذا الوضع وضع بنيامين نتنياهو أمام مأزق وجودي حقيقي.

بدأت التسريبات العسكرية الإسرائيلية تتحدث لأول مرة عن خسائر حقيقية داخل الكيان، تمهيدًا لاحتمال تصعيد جديد أو الاعتراف بفشل نسبي.

· الضغط الأمريكي على إدارة ترامب أصبح لا يُحتمل؛ لأن انسحابًا أمريكيًا مفاجئًا من المواجهة مع إيران سيترك الكيان مكشوفًا تمامًا أمام صواريخ المقاومة التي يمكن أن تستنزفه تدريجيًا.

في هذا المأزق، أصبح أمام نتنياهو ثلاثة خيارات، كل منها أخطر من الآخر:

الأول: توريط أمريكا بشكل كامل عبر ضربة نووية محدودة ضد المنشآت الإيرانية لكن هذه الضربة تعني دخول المنطقة في حرب لا يمكن التحكم بحرائقها.

الثاني: إشعال المنطقة في حرب إقليمية شاملة، تشمل جبهات متعددة (لبنان، سوريا، العراق، اليمن)، وهو ما يعني استنزافًا غير مسبوق للكيان الذي يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية واجتماعية.

الثالث: اللجوء إلى الحل الأخطر والأسرع وهو ضرب المسجد الأقصى مباشرة بحجة أن بناء الهيكل يتطلب تطهير الموقع، مع تلفيق الفعل لصاروخ إيراني أو لمجموعات فلسطينية، بهدف خلق واقع جديد لا يمكن التراجع عنه.

قراءة في العمق:…

ربما يعتقد البعض أن هذه القراءة تبالغ في مركزية العامل الديني، لكن الحقيقة كما أوضحنا في المقال السابق الذي حللنا فيه كتاب سيجموند فرويد (موسى والتوحيد) أن المشروع الصهيوني لا يمكن فهمه بمعزل عن البنية التلمودية التي شكلت اللاوعي الجمعي لليهودية الحاخامية.

فرويد، الذي حاول في كتابه تفكيك ما يقول عنه ( أسطورة موسى) وكشف العلاقة المعقدة بين اليهودية والتراث المصري القديم، أشار إلى أن عقدة القتل والتطهير هي محور التكوين الديني اليهودي. وما نراه اليوم من طقوس البقرة الحمراء وكسر القرون هو امتداد لتلك العقيدة؛ فالهيكل في العقلية التلمودية لا يمكن أن يقوم إلا على أنقاض مقدسات الآخرين، والدم في هذه العقيدة ليس مجرد خسارة جانبية بل هو جزء من طقس التأسيس.

هذا التحليل الفرويدي على ما فيه من إشكاليات منهجية يقدم لنا مفتاحًا لفهم لماذا يتعامل اليمن المتطرف مع المسجد الأقصى باعتباره عائقًا يجب إزالته، ومع إيران باعتبارها كبشًا يجب ذبحه، ومع الفلسطينيين باعتبارهم أضاحي لا مكان لهم في المشروع التلمودي.

المسجد الأقصى قلب الصراع ونقطة الارتكاز……

ما يجب أن يدركه كل مسلم في هذه اللحظة أن المسجد الأقصى ليس مجرد بقعة جغرافية، بل هو أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، وهو خط الدفاع الأول عن هوية الأمة وعقيدتها. التهويد الذي يجري في القدس، والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى تحت حماية شرطة الاحتلال، والاستيطان الذي يطوق المدينة المقدسة، ليست سوى مراحل تمهيدية للمشروع الأكبر: الهدم المزعوم وبناء الهيكل.

لهذا فإن التصعيد المقبل لن يكون مجرد عدوان عادي، بل هو حرب وجودية على أقدس مقدسات الأمة. والمطلوب من الأمة الإسلامية جميعًا وعي حقيقي بطبيعة الصراع: أنه ليس صراعًا سياسيًا يُحل بالمفاوضات، بل صراع عقائدي يُحل بثبات الأمة على دينها وأرضها ومقدساتها.

يقين كامل بأن ما يحدث ويجري بعلم الله ومشيئته، وأن النهاية التي يسعى إليها هؤلاء هي نفسها النهاية التي أخبر الله عنها: “حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ. نصرة الدين بالدعوة، والكلمة الصادقة، ونشر مكانة الأقصى بين الناس، والتوبة والعودة إلى الله.

قد تمر الأيام القادمة بأحداث عنيفة غير مسبوقة، وقد يُظن أن الطغيان بلغ مداه، لكن المؤمن لا يخدعه المشهد. المشروع التلمودي الذي يسعى لبناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى مصيره إلى زوال مهما بلغ طغيانهم، لأن الظلم مهما استحكم فهو في النهاية يُنذر بقرب النهاية.

ويبقى المسجد الأقصى رغم كل المؤامرات شامخًا بحراسة الله أولاً، ثم بحراسة أبناء فلسطين الذين لا ينامون عن حرماتهم. والتاريخ يعلمنا أن كل من حاول هدم هذا المسجد أو تغيير هويته انتهى إلى خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

وما علينا إلا أن نثبت كما ثبت الذين من قبلنا، وأن نعلم أن النصر ليس حتمية تاريخية بل وعد إلهي للصابرين الصادقين.

دعواتنا مع الأقصى وأهله، ولعنة الله علي الظالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.