رسالة مفتوحة إلى أنور قرقاش: التضامن لا يُبنى على تناقض المواقف بقلم: د. الطاهر موسى الحسن
في تصريحاته الأخيرة، عاد المستشار الإماراتي أنور قرقاش ليطرح سؤالاً مشروعاً حول غياب مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك في مواجهة ما وصفه بـ العدوان الإيراني غير أن المشروعية التي تحملها التساؤلات لا تعفي صاحبها من امتداد نقدي أوسع: فحين تطالب دول الخليج بدور عربي وإسلامي في مواجهة التهديدات الخارجية، فإن من حق الشعوب العربية أن تسأل بالمقابل: أين كان هذا الدور العربي والإسلامي نفسه حين تحولت بعض دول الخليج إلى ساحات للصراعات بالوكالة؟ هل كان للإمارات العربية دور مشرف في الأزمات التي واجهتها الدول الإسلامية والعربية؟ فالامارات التي شاركت ومولت الإنقلاب في تركيا ضد حكومتها الشرعية وعقد إتفاقيات مع الهند التي تعلم موقفها من الباكستان الدولة الإسلامية لا يحق لها ان تطلب وتسجدي التعاطف من الدول الإسلامية أو الشعوب المسلمة مثل شعب الروهنقا الذي فتكت به الصين فكانت الإمارات المحرضة والداعم لعدوهم لا لجريرة جنوها سوي انهم مسلمون.
فهل يحق لدويلة الإمارات ان تطالب الدول العربية للوقوف معها وهي التي كانت في صف عدوهم التاريخي الكيان الصهيوني الذي رضيت أن تتبنى خططه وتنفذ ما يريد في المنطقة من توسع وتفتيت؟ أفلا يحق لنا أن نتساءل لماذا تقف فلسطين المحتلة أو اليمن أو ليبيا أو السعودية أو قطر أو الصومال مع الامارات التي ما تزال اياديها ملطخه بدماء هذه الشعوب؟
ليس خافياً أن المشهد السوداني يقدم نموذجاً صارخاً للتناقض الذي يعيب الخطاب الرسمي الإماراتي. ففي الوقت الذي يطالب فيه قرقاش بتفعيل مؤسسات العمل المشترك لمواجهة ما يراه تهديداً إيرانيّاً، نجد أن دولة الإمارات انخرطت في نزاع سوداني داخلي بطرق باتت موثقة في تقارير أممية ودولية، سواء عبر دعم أطراف النزاع أو عبر تسهيل وصول إمدادات إلى مليشيات الدعم السريع، في مشهد تكرس فيه سياسة الذرائع الإنسانية لتمرير أجندة تفتيتية.
إن الحديث عن مؤسسات العمل العربي الإسلامي لا يمكن فصله عن السلوك الفعلي للدول الأعضاء. فعندما تُسخَّر الإمكانات لدعم طرف ضد آخر في دولة عربية شقيقة، وعندما تُستدعى التنظيمات الإقليمية والدولية الغربية والإفريقية للتصدي لتبعات تلك السياسات، فإن الدعوة بعد ذلك إلى الجامعة العربية أو منظمة التعاون الإسلامي تصبح أقرب إلى استكمال الغطاء السياسي منها إلى بحث حقيقي عن آليات عمل مشترك.
لقد كان السودان، عقب الانفصال، نموذجاً لدولة عربية تسعى إلى إعادة بناء علاقاتها الإقليمية على أسس التوازن والمصلحة المشتركة. لكن ما حدث لاحقاً من تحول في الموقف الإماراتي، وتورط في دعم مليشيات قامت بارتكاب انتهاكات جسيمة، لم يكن مجرد خيار سيئ في التعامل مع شريك، بل كان مساهمة في تعطيل أي فرصة للعمل العربي الجاد لحل الأزمة السودانية.
لا يمكن لأي خطاب يدعو إلى حماية الأمن القومي العربي أن يكون ذا مصداقية ما لم يقترن بمراجعة جادة للسياسات التي تضع دولاً عربية كاملة في دائرة الاستهداف غير المباشر. فالدفاع عن دول الخليج ضد أي عدوان خارجي حق مشروع، لكن هذا الحق لا يصادر حق الشعوب العربية والاسلامية الأخرى في أن تتساءل: لماذا تحولت بعض أدوات النفوذ الخليجي إلى سلاح ضد وحدتها واستقرارها؟
إن غياب مؤسسات العمل العربي المشترك ليس ظاهرة طارئة، بل هو نتاج تراكمي لسياسات انفرادية أضعفت الثقة بين الدول العربية. وبدلاً من تحميل تلك المؤسسات وحدها المسؤولية، ينبغي التساؤل: هل آن الأوان لمراجعة الأدوار، بحيث لا تكون الدعوة إلى التضامن مجرد استدعاء عاطفي لحظة الخطر، بينما تُترك الدول العربية الأخرى وحيدة في وجه سياسات التقسيم والتدمير الممنهج؟
إن استمرار هذا التناقض سيبقي الحديث عن العمل العربي المشترك أسير اختبارات المصداقية، وسيجعل من أي دعوة للتضامن الإقليمي مجرد شعار يعلو حين تهدد المصالح المباشرة، ويسقط حين تكون مصالح الآخرين هي الرهان.