خطاب البرهان: وضوح المعركة وثبات الدولة في لحظة الحسم بقلم: د. طاهر موسى الحسن
جاء خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان بمناسبة عيد الفطر، في توقيت بالغ الحساسية، ليعكس بوضوح ملامح المرحلة التي تمر بها الدولة السودانية، ويؤسس لقراءة سياسية وعسكرية متماسكة لمجريات الصراع الراهن.
فالخطاب لم يكن مجرد تهنئة تقليدية، بل حمل في طياته رسائل متعددة، أبرزها التأكيد على أن ما يجري في السودان ليس نزاعًا عابرًا، بل معركة وجود تستهدف الدولة في كيانها ومؤسساتها. ومن هذا المنطلق، بدا واضحًا أن القيادة العسكرية حسمت خيارها الاستراتيجي: لا تراجع عن استعادة الدولة، ولا مساومة على تفكيك التمرد.
أول ما يلفت الانتباه في الخطاب هو وضوح توصيف المعركة. فقد حرص البرهان على تثبيت سردية حرب الكرامة وهي ليست مجرد عبارة إنشائية، بل تعبير عن إعادة تعريف الصراع باعتباره مواجهة بين الدولة ومليشيا خارجة عن القانون. هذا التوصيف يمنح المعركة بعدًا وطنيًا جامعًا، ويعزز من شرعية العمليات العسكرية في نظر قطاعات واسعة من الشعب.
ثانيًا، حمل الخطاب رسالة حاسمة في ملف السلام. فبينما أكد الانفتاح على المبادرات، وضع شروطًا واضحة لا لبس فيها: لا وقف لإطلاق النار دون انسحاب وتجميع المليشيا، ولا عملية سياسية تُبقي على السلاح خارج مؤسسات الدولة. وهذه النقطة تمثل تحولًا مهمًا من مرحلة المناورات السياسية إلى مرحلة الحسم الاستراتيجي، حيث لم يعد السلام غاية في حد ذاته، بل وسيلة لإعادة تأسيس الدولة على أسس سليمة.
ثالثًا، أبرز الخطاب تماسك الجبهة الداخلية، من خلال الإشادة بالقوات المسلحة والقوات المساندة والمستنفرين، وربط ذلك بصبر المواطنين وتضحياتهم. هذا الربط يعكس إدراكًا عميقًا بأن المعركة لا تُحسم في الميدان فقط، بل أيضًا في صمود المجتمع وقدرته على التحمل.
كما لا يمكن إغفال البعد السياسي في حديثه عن استكمال مؤسسات الدولة والتداول السلمي للسلطة، وهي رسالة موجهة للداخل والخارج على حد سواء، مفادها أن المؤسسة العسكرية لا تسعى إلى حكم دائم، بل إلى تهيئة الأرضية لعودة الدولة المدنية وفق أسس منضبطة، بعد إزالة التهديدات الأمنية.
وفي سياق متصل، حمل الخطاب إشارات مهمة إلى البعد الإقليمي والدولي، سواء من خلال شكر الدول الداعمة، أو عبر إدانة الاعتداءات في محيط إقليمي مضطرب، ما يعكس رغبة في تقديم السودان كجزء من منظومة استقرار أوسع، وليس ساحة فوضى معزولة.
خلاصة القول، إن خطاب الفريق البرهان يمكن قراءته بوصفه إعلانًا لمرحلة جديدة عنوانها: الحسم مع الانفتاح المشروط. حسم عسكري تجاه المليشيا، وانفتاح سياسي مشروط بإعادة بناء الدولة على أسس احتكار السلاح وفرض سيادة القانون.
وفي ظل تعقيدات المشهد، يبدو أن الرسالة الأساسية التي أراد الخطاب إيصالها هي أن الدولة، رغم كل ما تعرضت له، ما تزال قادرة على الصمود، وأن معركة استعادتها لم تعد مجرد هدف، بل مسار يمضي بثبات نحو نهايته. وبين صبر الشعب وتضحيات الجيش، تتشكل ملامح مرحلة قادمة، عنوانها الأبرز: استعادة الدولة… وبناء ما بعد الحرب…
وختاما أتقدّم بأصدق التهاني وأطيب التبريكات إلى الشعب السوداني الصابر، بمناسبة عيد الفطر المبارك، سائلاً الله سبحانه وتعالى أن يعيده علينا جميعًا، وقد عمّ الأمن والأمان ربوع الوطن، وانجلت هذه المحنة، وعادت بلادنا أكثر قوةً ووحدةً واستقرارًا.
ونسأل الله أن يقوّي قواتنا المسلحة، وأن يسدد خطاها، ويكتب لها النصر والتمكين، وأن يشفي جرحانا شفاءً لا يغادر سقمًا، ويتقبل شهداء معركة الكرامة في أعلى عليين، ويجعل تضحياتهم نورًا يضيء طريق المستقبل.
حفظ الله السودان وأهله، وجعل أيامه القادمة أفراحًا وسلامًا ونصرًا قريبًا.