رمضان محجوب… يكتب : “​المنطقة إكس” … خيبات الحرب

0 4

 

 

​■ الدراما السودانية في موسمها الاستثنائي هذا، لم تعد مجرد ترفيه بصري، بل تحولت في “المنطقة إكس” إلى خندق ثقافي متقدم، يقوده المبدع أبوبكر الشيخ بوعي وطني حاد، ليرسم بـ “كاميرا” الحق تفاصيل معركة الكرامة، موثقاً في 17 حلقة مضت ملاحم الصمود الإنساني في وجه أقسى أنواع الغدر والترويع التي خلفها التمرد.
​■ استنطاق الركام كان التحدي الأكبر الذي كسبه فريق العمل، حيث لم تكن البيوت المحطمة في المسلسل مجرد “ديكور”، بل كانت شواهد حية تنطق بلسان الضحايا، وتفضح بربرية المليشيا التي حاولت طمس هوية الدولة، فجاءت كل لقطة بمثابة صفعة درامية في وجه تلك الخيبات التي حاول المتمردون تسويقها كانتصارات زائفة طوال أشهر الحرب.
​■ ظروف التصوير الميدانية القاسية ربما تسببت في تفاوتات طفيفة في “هارموني” الإضاءة ببعض المشاهد الخارجية، وهو أمر يُغتفر تماماً أمام عظمة الموقف وخطورة المواقع، فصدق اللحظة الدرامية كان أقوى وأسطع من أي مؤثرات تقنية، حيث استطاع الإخراج أن يطوع المتاح لخدمة القصة وتوثيق الحدث بوجعه وشموخه رغم أنف الموت.
​■ عبقرية أبوبكر الشيخ تجلت في قدرته الفائقة على إدارة الأزمة فنياً، إذ لم يمنعه الحصار ولا تعقيدات المشهد الأمني من تقديم رؤية إخراجية باذخة الدهشة، نجحت في مزج الواقع الحي بالخيال المبدع، لتخرج لنا “المنطقة إكس” كأيقونة بصرية تحبس الأنفاس، وتجعل المشاهد شريكاً في الحدث لا مجرد متلقٍ سلبي لما يجري من حوله.
​■ البطولة الجماعية لممثلي المسلسل كانت هي الرهان الرابح، ورغم أن بعض الحوارات مالت أحياناً نحو “المباشرة الوجدانية” العالية، إلا أن ذلك جاء ملبياً لتعطش المشاهد لمواقف الحزم والوضوح، مما أذاب الفواصل بين الممثل وشخصيته الحقيقية، وهو ما يفسر هذا الالتفاف الجماهيري الكبير وغير المسبوق حول عمل يرصد خيبات العدو وبطولات الشعب.
​■ إدارة الإنتاج في ظل الظروف الراهنة كانت معركة أخرى توازي معارك الميدان، فالمنتج وفريق العمل الذين خاطروا لإنجاز 17 حلقة بهذا الإتقان يستحقون وقفة إجلال؛ لأنهم برهنوا على أن الإبداع السوداني لا يرفع الراية البيضاء، محولين “المستحيل” اللوجستي إلى واقع إبداعي مدهش رغم ضيق الوقت والمخاطر المحدقة بالفريق.
​■ الموسيقى التصويرية المختارة بعناية كانت تفيض بالشجن والبطولة، ولو أنها منحت مساحة أوسع لـ “هدوء الصمت” في بعض المشاهد المفصلية لتضاعف أثرها، إلا أنها نجحت في أن تكون نبضاً موازياً للأحداث، تشحن الوجدان وتعزز من وصول الرسالة الوطنية السامية التي ينشدها العمل في كل حوار ولقطة تكشف زيف المعتدي.
​■ محاكمة درامية عادلة هي الوصف الأدق لهذا المسلسل، الذي لم يكتفِ بالرصد، بل قدم جرد حساب أخلاقي لكل من تلطخ بدم الأبرياء، جاعلاً من الفن “منصة قضاء” تاريخية لا تسقط بالتقادم، ليبقى العمل وثيقة قانونية وفنية تدين الغدر وتنتصر لهيبة الدولة ومؤسساتها النظامية التي تمثل صمام أمان الوطن في مواجهة خيبات الحرب الوافدة.
​■ مما لاشك فيه ان الرموز البصرية التي وظفها المخرج بذكاء، من جدران محترقة وأزقة مهجورة، كانت أبلغ من ألف خطبة عصماء، إذ نجحت في إيصال “رسائل صامتة” عن حجم الدمار، مؤكدة أن “المنطقة إكس” ليست مجرد اسم لمكان، بل هي كل شبر في السودان طاله دنس التمرد ويستوجب التطهير بالوعي الوطني الشامل والاصطفاف خلف الحق.
​■ يثبت الثبات الفني على وتيرة واحدة من الدهشة طوال الحلقات الماضية، أننا أمام عمل “مشغول” بعناية فائقة، لم يقع في فخ المط والتطويل المعتاد، بل ظل الإيقاع لاهثاً كنبض الشارع السوداني، يرتفع مع كل تصعيد وينكسر مع كل دمعة نازح، في سيمفونية درامية متسقة الأركان تعبر بصدق عن عبقرية المبدع السوداني الأصيل.
​■ شراكة الوعي بين المبدع والمتلقي بلغت ذروتها مع “المنطقة إكس”، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات نقاش فنية تعيد قراءة الأحداث من منظور المسلسل، مما يؤكد أن الكلمة والصورة حين تلامسان جرح الوطن، تصبحان أقوى سلاح في معركة استرداد الكرامة وصون الهوية السودانية من التشويه وخيبات المتربصين.
​■ الخيبة المدوية التي أصابت أعداء الفن كانت هي الثمرة الأبرز لهذا النجاح، فبينما أرادوا تغييب صوت المبدع، جاء أبوبكر الشيخ وفريقه ليعلنوا أن “الجبهة الثقافية” بخير، وأن الفن الملتزم هو الذي يكتب التاريخ الحقيقي، بعيداً عن تزييف المنتفعين وأذناب المليشيا في سوق النخاسة السياسية الذي بارت فيه كل بضاعة فاسدة.
​■ انتظارنا الشغوف للحلقات الثلاث المتبقية هو لهفة لمشاهدة “فصل النصر”، وكلنا ثقة في أن القريحة الإبداعية لصناع العمل ستبتعد عن النهايات التقليدية لتقدم خاتمة تليق بهذا الصمود الأسطوري، وتغسل عن وجوهنا مرارات تلك الخيبات التي تسببت فيها الحرب، وتظل محفورة في ذاكرة الدراما السودانية كأحد أقوى الأعمال الوطنية.
​■ تحية وتقدير لكل جندي مجهول خلف الكاميرا، ولكل فني إضاءة وصوت تحملوا ضغوط التصوير الميداني، فأنتم اليوم تكتبون بجهدكم هذا فصلاً جديداً من فصول المقاومة الثقافية، وتؤكدون أن السودان سيظل منارة للإبداع مهما تكالبت عليه الخطوب، ومهما حاول المرجفون إطفاء وهجه الثقافي المتجذر في أعماق الأرض.
​■ عموما تضعنا الخلاصة الأخيرة أمام حقيقة أن “المنطقة إكس” هي صرخة حق في وادٍ سكنه الصمت، ورسالة وفاء من أهل الفن إلى أبطال الميدان، فالحق يعلو ولا يُعلى عليه، والنصر قاب قوسين أو أدنى بإذن الله، طالما ظل قلمنا وفننا وبندقينا في اتجاه واحد نحو كرامة الوطن، لنمحو للأبد تلك الخيبات الغابرة.. وكفى بالله شهيداً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.