حسناً.. وكما أسلفنا في الحلقة السابقة ، فلقد إستطاعت دولة سينغافورة – التي سقناها مثالاً للنجاح في الإستثمار في موارد المياه الشحيحة- أقول إستطاعت أن تبتكر إستراتيجية وطنية يمكنها أن تصبح نموزجاً لحل مشكل المياه للمشروع الذي نحن بصدده (مشروع الأبيض ميقابروجكت). فكما إبتكرت سينغافورة إستراتيجية ال (4national taps) والتي بدورها ليست سوى تطوير لخطتها القديمة إنطلاقاً من مصدريها التقليديين منذ الإحتلال البريطاني للجزيرة (Conventional resources) وهما مياه الخزانات (حصاد مياه الأمطار) و المياه المستوردة من ماليزيا (Imported water) ، كي تضيف سينغافورة مصدرين مبتكرين (Unconventional resources) إبتداءاً من بداية الألفية الثالثة وهما أولاًِ المياه المستعادة (Reclaimed water) ، ثم في العام ٢٠٠٥م أنشأت سينغافورة أول منشأة لتحلية مياه البحر (Desalinated water) في (تواس) ليصل عددها اليوم إلي خمس.
للغرابة البريطانيون أنفسهم هم من أنشأ أول منشأة لحصاد المياه (Catchment reservoir) لصالح شرب مدينة الأبيض في العام ١٩٤٣م (خزّان بنّو) وبعده خزان (العين) لتغذية شبكة المدينة الصغيرة التي لم تكن تتجاوز أنذاك خدمة بيوت الموظفين البريطانيين والمستشفى!!. فيما بعد في العهد الوطني بعد الإستقلال تم إنشاء خزانات بقرة (٣٣ كيلو جنوب الأبيض) التي تطورت رويدا رويدا كي تصل سعتها اليوم إلى (١٢ مليون متر مكعب) وكي تتحول كل من بنّو (١١ كيلو جنوب الأبيض) والعين (٢٢ كيلو) كمناول وأحواض تنقية تمهيداً لنقلها للمدينة التي إتسعت شبكتها لتخدم اليوم ما تجاوز ال ٨٠٠ الف نسمة!!. فيما بعد في نهاية تسعينات القرن الماضي تم إدخال مورد جديد وهي آبار السدر بحوض بارا الجوفي (المصادر الشمالية) أسوة بخزانات بقرة التي يطلق عليها (المصادر الجنوبية). وفق إحصائيات إدارة مياه المدن لولاية شمال كردفان تنتج خزانات بقرة (المصادر الجنوبية) والتي سوف نطلق عليها من هنا فصاعداًِ (Tap 1) فقط ٢٠ الف متر مكعب/اليوم ولكن نتيجة حال الخط الناقل الحديدي المهترئ يصل الشبكة داخل المدينة فقط ١٤ الف متر مكعب مع تبخر ٢ الف متر مكعب من الخزانات نتيجة درجة الحرارة العالية!!. كذلك تنتج آبار السدر والتي سوف نسميها من الآن فصاعداً (Tap 2) فقط ٦ الف متر مكعب والتي تُنقل عبر خط ناقل يبلغ طوله ما يزيد عن ٤٠ كيلو متراً. إذن يوفر كل من (Tap 1) و (Tap 2) ما لا يتجاوز ٢٠ الف متر مكعب من المياه لمدينة الأبيض (قبل الحرب طبعاً) توزع في إطار شبكة لا تغطي سوى ٦٢ حي من ضمن ١٥٣ حي داخل مدينة الأبيض بشكلها الحالي.
حسناً.. وعلى شح ما يوفره (Tap 2) من آبار السدر (فقط ٦ الف م٣/اليوم) لكنها من يدٍ تعاني من خطر النضوب ، فحوض بارا الذي تبلغ تغذيته سنوياً فقط ٥٢ مليون م٣ يبلغ حجم السحب السنوي منه لأغراض الشرب والزراعة البستانية ما بين ٣٥ – ٤٠ مليون م٣ حيث سيصبح رهين التوسع المستقبلي في السحب لأغراض مياه الشرب والزراعة البستانية وهو ما يهدد إستراتيجية مياه شرب مدينة الأبيض. كذلك فهناك المهدد الأكبر والمتمثل في التغير المناخي حيث يمكن أن تشح الأمطار مهددة المصدر الأكبر لمياه الشرب بمدينة الأبيض ممثلاً في (Tap 1) المصادر الجنوبية (خزانات بقرة) التي تبلغ سعتها ١٢ مليون مّ والتي تعاني بالأصل من ظاهرة التبخر (٢ الف م٣/اليوم). إذن المخاطر تحيط بمستقبل مياه الأبيض حتى دون التفكير في مشروعنا الجديد (الأبيض ميقابروجكت) فكيف إن قفز التفكير لتوفير المياه لعدد لا يقل عن ٦ مليون نسمة لاغراض الشرب الي جانب الإستخدامات الحضرية الأخرى (الصناعية الزراعية َالخدمية وغيرها)!!.
لقد ابرزت الحرب الدائرة اليوم مصدراً جديدأً لمدينة الأبيض وهو الحوض الجوفي للمدينة ، فلقد تم حتى اليوم حفر ما يزيد عن ٤٠٠ بئر داخل المدينة (المصدر مدير البنى التحتية) لإغراض الشرب والإحتياجات الأخرى وذلك بعد حصار المدينة مما منع وصول المياه من (Tap 1) و (Tap 2) ، وهكذا كي تكتفي مدينة الأبيض من حوضها الجوفي وإن شاب المياه المستخرجة َمنه بعض المشاكل متمثلة في إرتفاع الملوحة إلى جانب ظاهرة عسر الماء و شح بعض الأبار. ولكن في المنتهى لا يمكن نكران بروز الحوض الجوفي كمصدر ثالث سوف نسميه من هنا فصاعداً ب (Tap 3) يمكن الإستثمار فيه وتطويره حتى بعد إنتهاء الحرب خصوصاً أنّ هذا المصدر ينتج الآن ما لا يقل عن ١٠ مليون متر٣/اليوم لا تعاني من إشكاليات التبخر كما يحدث في (Tap 2) ولا إشكاليات الطاقة والنقل الطويل كما هو الحال في (Tap 1).
حسناً.. ولكن في حال الطموح في تطوير مدينة الأبيض الحالية لبلوغ الدرجة غاما (Gamma city) ، فذلك يعني القدرة على توفير ما لا يقل عن ٥٠٠ الف م٣/اليوم في المرحلة الأولي من المشروع مع إمكانية توفير مليون م٣/اليوم خلال العقد الذي يلي ذلك وهو ما لا يتناسب مع سعة المواعين الحالية التي لا تتجاوز ال ٢٠ الف م٣/اليوم فقط!!!. إذن وإبتداءاً من الحلقة القادمة سوف نسهب في تطوير إستراتيجية المياه في إطار مشروع (الأبيض ميقابروجكت) إستناداً على الواقع الحالي وإستلهاماً من التجربة السنغافَورية إلى جانب تجربة المدينة الإسفنجية (Sponge city model) وهي تجربة صينية أفلحت في حل إشكاليات مياه المدن ذات المصادر الشحيحة خصوصاً تجربة مدينة (إييو) بإقليم جوجيانغ جنوبي شرق الصين. وها هنا يجب أن ننوه أن إستراتيجية المياه في أطروحة مشروعات التطوير الحضري الحديثة لا تنفصل عن إستراتيجية الطاقة والصرف الصحي (Sewerage system) و هو ما سوف نكتشفه في مقبل الحلقات.. نواصل.