في كل مرحلة انتقال من الحرب إلى الدولة، تظل الترتيبات الأمنية هي العقدة ومفتاح الحل. إنها نقطة البدء لأي عملية سياسية جادة، فلا استقرار بلا جيش موحد، ولا دولة بلا احتكار شرعي للسلاح. وقد كشفت الحرب الأخيرة أن استكمال هذا الملف لم يعد أمرًا ثانويًا أو مؤجلًا، بل ضرورة لبقاء الدولة ذاتها. إحدى الحقائق التي أكّدتها المعركة أن قيادات حركات الكفاح المسلح أثبتت قدرة عالية على التخطيط والانضباط العسكري الميداني، ما يفرض إشراكها ضمن هيكل القيادة العامة للقوات المسلحة. في المقابل، تتسع في الأوساط الإعلامية وبعض دوائر الرأي العام موجة من التنمر والتلفيق ضد هذه القوات، رغم دورها الوطني في صدّ المليشيا المتمردة وحماية المدنيين.
ومن هنا، فإن دمج القيادات العليا من رتبة فريق وفريق أول في القوات المشتركة داخل هيئة قيادة الجيش ليس مجاملة سياسية، بل ضرورة عسكرية لمنع انقسام العقيدة والانضباط بين قوى متعددة الولاء والانتماء. وقد جاء قرار تعيين الفريق محاسب/ حسن داؤود كبرون كيان وزيرًا للدفاع، بتوصية مباشرة من المكوّن العسكري في مجلس السيادة، ووفقًا للوثيقة الدستورية المعدّلة، ليشكّل نقطة انطلاق جديدة في مسار إصلاح المؤسسة العسكرية وتهيئة المناخ الأمني للتحول المدني وإنهاء الحرب.
لكن تعيين وزير الدفاع هو بداية المعركة لا نهايتها. فإعادة هيكلة الجيش الوطني تتطلب استيعابًا فوريًا ومنهجيًا لكافة القوات النظامية الموقعة على اتفاق السلام، عبر سلسلة دمج تبدأ من الأعلى إلى الأدنى: فريق أول، فريق، لواء، ثم ما دون ذلك حتى رتبة الملازم، ضمن هيئة الأركان العامة، وفق خطط مهنية تخضع للتدريب والانضباط والتقييم المستمر.
كما يجب أن يشمل الدمج قوات درع الشمال، والبراؤون، وكافة القوات الشعبية المساندة التي شاركت بفعالية إلى جانب الجيش السوداني في معركة استرداد الدولة. هؤلاء الجنود الذين واجهوا الموت جنبًا إلى جنب مع المؤسسة العسكرية الرسمية، لا يمكن تجاهلهم في مرحلة البناء، بل ينبغي دمجهم وفق تسلسل رتب واضح، يعيد تعريف الانضباط ويربط الجندية بالمؤسسية. والأمر ذاته ينسحب على قوات الحركة الشعبية – شمال، وقوات شرق السودان، وكل من حمل السلاح ثم انحاز لخيار الوطن. هؤلاء يجب أن يحصلوا على نمرة عسكرية، لا فقط كترقيم تنظيمي، بل كوسيلة لضبط القيادة والمساءلة، حيث تتحوّل القيادة العسكرية إلى مسؤولية مشتركة بين الجندي والقائد، لا مجرد أوامر من الأعلى إلى الأدنى.
ولا يمكن الحديث عن إعادة هيكلة القيادة العسكرية دون الإشارة إلى القيادات التاريخية التي أدّت أدوارًا وطنية مفصلية في أصعب اللحظات. ويأتي في مقدمة هؤلاء الفريق أول شمس الدين كباشي، الذي كان من أوائل من رفضوا التمرد المسلح، ووقفوا بصلابة في وجه تفكيك الدولة. لقد كانت بصمته واضحة في لحظات مفصلية، وتاريخه العسكري والسياسي محفوظ في وجدان المؤسسة والشعب. وتزامن تعيين وزير دفاع من جنوب كردفان مع هذه المرحلة المفصلية يُعد شرفًا مستحقًا للفريق كباشي نفسه، باعتبار أن الوزير ينتمي لنفس الإقليم، في تجسيد لروح التكامل الجهوي داخل المؤسسة العسكرية، وتوسيع لقاعدة التمثيل بعدالة واتزان. وهذا ما يجعل اللوحة الوطنية أكثر اكتمالًا، خصوصًا حين تُستكمل بإشراك قيادات الكفاح المسلح، الذين جلّهم من دارفور، والذين أثبتوا كفاءة عالية في ميادين القتال والتخطيط والانضباط. إن هذه الخطوة، حين تتم برؤية استراتيجية، ستعيد بناء الثقة داخل الجيش، وتُعيد إنتاجه كقوة قومية تمثل كل السودان.
لقد آن أوان قفل باب الريح وتوحيد الجبهة العسكرية. لا سبيل لبناء الدولة إلا بجيش واحد، وعقيدة واحدة، ومنظومة واحدة. فالمرحلة ليست مرحلة شعارات، بل مرحلة تحديد دماء وتثبيت قيادة، وإعادة إنتاج جيش يُسند الوطن بدل أن يتصدّع بين أطرافه. ولأن المعركة لم تُحسم بعد، ولأن مليشيا التمرد تحشد كل يوم مرتزقة و”شفشافة”، كما أقرّ ضمناً قائدها في خطابه الأخير، فإن الضرورات تقتضي وضع ترتيبات عملياتية جديدة تعزز النصر وتعجله. وعلى رأس هذه الخطوات، تشكيل قيادة سيطرة ميدانية جديدة يكون مقرها مدينة الأبيض، لتتولى الإشراف الكامل على العمليات، وتبدأ تنفيذ مهام كنس الشفشافة من الشريط الأوسط حتى أم دافوق، وهي آخر نقطة حدودية في الجنوب الغربي، بما يعيد فرض هيبة الدولة على كامل التراب الوطني، ويقطع الطريق أمام أي تمدد فوضوي أو ارتزاق أجنبي.