إرث من الرماد

بقلم: عوض الله الصافي

0 21

هاتفني الصديق عبد الله محمد بلال بعد نشر عمودي الأخير “ما بين المخبر والصحفي”، ذلك المقال الذي انطلقت فيه من تجربة الصحفي الأمريكي تيم واينر، صاحب الكتاب المرجعي الأشهر عن تاريخ وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) بعنوان Legacy of Ashes – “إرث من الرماد”.

في ذلك المقال، استوقفتني دهشة من نوع آخر، ليست دهشة الكشف، بل دهشة الانكشاف… حين أدركت أن السودان نفسه بات مرتعًا خصبًا لأشباه المخبرين، ولطلبة هواة في مدارس التخابر، يكتبون تقاريرهم بدم بارد، ويلاحقون تفاصيل غيرهم، متوهمين البطولة وهم في حقيقتهم حطب نار لا يعرف لمن يُشعل.

 

– لقد كشفت ردود الفعل على المقال أن هناك شغفًا حقيقيًا – وربما خطيرًا – لدى شريحة من السودانيين، بعضهم حتى من طلاب الجامعات، والمدونيين بوسائل التواصل الاجتماعي وصانعي المحتوي يتطلعون لفهم تقنيات العمل الاستخباراتي، لا كمجال معرفي، بل كطريق نفوذ وسلطة، حتى لو كان ذلك على حساب أنفسهم أو بلادهم.

وهنا استوقفني سؤال قديم: هل كل من يدخل هذا الميدان مأجور؟ أم أن بعضهم مسكون بهوس المعرفة حتى التورط؟

 

– تجربة تيم واينر لا تزال ماثلة كواحدة من أعقد تجارب التقاطع بين الصحافة والمخابرات.

لم يكن واينر عميلاً، لكنه لم يكن بريئًا بالكامل. كان صحفيًا مهووسًا بالحقيقة، لكنه لم يتردد في استغلال كل ثغرة وثيقة وكل نافذة في الجدران المغلقة للمخابرات الأمريكية ليدوّن ما لم يُدوّن من قبل.

 

– في أحد مقاطع كتابه الشهير، كتب واينر:

“لم تكن المشكلة في فشل العمليات السرية، بل في إصرار قادة الجهاز على أن يبقوا أكذوبة النجاح قائمة، مهما كلفهم ذلك من أرواح ومبادئ.”

هذا الاقتباس وحده كافٍ لتفكيك فكرة كاملة عن عالم المخابرات. لقد خاض واينر تجربة لا تشبه تقارير الصحفيين، بل غاص في أرشيف يحوي خمسة عقود من الفشل، ونقل وقائع التحقيقات الداخلية التي وصفت الـCIA بأنها جهاز ضلّل رؤساءه أكثر مما خدمهم.

لكن، هل فعل واينر ذلك من أجل الشهرة فقط؟

– يبدو أن الصحفي الأمريكي سعى إلى أكثر من السبق، كان يريد أن يُخلد اسمه كأول من كشف زيف هذه المؤسسة أمام الشعب الأمريكي والعالم، لكنه – وهو يفضح الأكاذيب – استخدم أدواتها نفسها.

دخل أرشيفهم، استمال موظفيهم المتقاعدين، تنكر في هيئة الباحث الأمين، بينما كان يفتش عن الثغرات في الجدران الصلبة.

– وهنا نعود إلى السودان، وإلى سؤالنا المركزي:

هل الصحفي عندنا يعمل من أجل الحقيقة؟ أم يسعى لاسترضاء مخبرين صغار يهمسون له بتسريبات تخدم أجندة أكبر؟

هل أصبح بعض الصحفيين أدوات تُستخدم دون علمهم، أو ربما بعلمهم، لتوجيه الرأي العام، وتمرير الرسائل، وتفخيخ الساحة السياسية بالتحليلات المضللة؟

لنأخذ مثال الزميل مزمل أبو القاسم، أحد أبرز الصحفيين السودانيين، الذي نشر معلومات عن اجتماعات مغلقة بين الدعم السريع والحكومة في المنامة، تحت إشراف أجهزة استخباراتية.

لكن الحقيقة التي لم تُروَ – حتى اللحظة – أن المعلومة التي سُرّبت لم تكن عن مجرد تفاوض، بل عن اتفاق سري للغاية توصل إليه الطرفان.

اتفاق – بحسب ما تسرّب لاحقًا – تضمّن بنودًا حسّاسة قد تبعد أحد الأطراف عن الحكم بشكل نهائي، وربما هذا الطرف – حين أدرك فحوى البنود – شعر بعدم الرغبة في الالتزام، أو في التنحي، وبدأت حينها دائرة الشكوك داخل مراكز القرار، واندلعت الخلافات على مستوى أعلى من الطاولة.

ثم خرج عبد الرحيم دقلو طاحونة ليذهب أبعد، في تصريح صادم، قال فيه:

“طلبت لقاءً انفراديًا مع الفريق شمس الدين الكباشي… ووافقني على كل كلمة قلتها.”

وكان المدهش أن الفريق الكباشي لم يردّ على هذه الرواية، ولم يكذّبها.

وفي عرف السياسة والأمن، الصمت في موضع اتهام هو إقرار ضمني أو عجز مريب.

لكن الحقيقة الأشد قسوة، أن الصحافة ليست الخطر الوحيد، ولا الأكبر.

الخطر الحقيقي يأتي حين يصبح رجال السياسة أنفسهم موظفين غير معلنين لدى السفارات.

في السنوات الأخيرة، لم يعد السفراء مجرد دبلوماسيين، بل تحول بعضهم إلى مديري مشروعات سياسية كاملة.

وبعض الأحزاب في السودان – وأقولها بمرارة – تتعامل مع السفارات كما يتعامل الأطفال مع أولياء أمورهم في المنازل: تتلقى التعليمات قبل الخروج إلى “مدرسة السياسة”، تنفذها حرفيًا، ثم تعود في المساء برغبة التقييم والمكافأة.

– وكما أشرنا في العمود السابق، نعيد طرح السؤال المؤلم بلا مواربة:

هل الدعم السريع مؤسسة وطنية أم تشكيل أنجبته فترة البشير ليحمي به نفسه من بطش اجهزته المخابراتية ؟

أم أنه – في جوهره – مخلب بأظافر وأنياب مخابراتية خارجية خارجية تم تكوينه ليساهم في تدمير هذه البلاد؟

 

– الحقيقة ان تلك المخابرات الخارجية التي تولّت تشكيله، ورسم هيكله، تركته كآلة دمار تدور بلا توقف.

– الذي أشرف على تركيب أجزائه لم يكن سوى طه عثمان الحسين، الرجل الذي كان يُدير كل ملفاته المالية في عهد الرئيس المخلوع عمر البشير كما يُدار “الدرون” من غرفة التحكم، ويقود حركته يمنة ويسرى تحت علم وسماع الاجهزة الامنية.

 

– طه، الذي خرج من اللعبة بجنسية أخرى، لم يكن ضحية لمؤامرة… بل هو من تآمر على الجدار الذي يسكن فيه.

هدم البيت على من فيه، ثم انسحب من المشهد، ولم يتبق منه سوى أثر باهت… لا صوت له ولا ظل.

لعبت به الأجهزة، ثم ألقته حيث لا يُذكر إلا في أرشيف الخيانات الصامتة.

 

– وما كان طه وحده من لعب هذا الدور، فقد سبقه إليه من هو أخطر وأعمق: صلاح قوش، مدير جهاز المخابرات العامة الأسبق.

– الرجل الذي أُوكلت إليه مهمة تأمين الدولة، فإذا به ينازعه الطموح بين الانتقام من خصومه، والتقرب إلى عروش المخابرات الإقليمية والدولية.

لعب قوش الدور كاملاً، لا كرجل أمن، بل كمهندس تفكيك.

أدار الأزمات لا ليطفئها، بل ليعيد تشكيلها بما يخدم تحالفات الظل، وانتهى به الأمر إلى ان فكك الدولة من الداخل.

– دولة كان يمكن أن تتطور، فاختار لها أن تتآكل، وتحترق في سلسلة لا تنتهي من الحروب والمصائب.

– إرث الرماد يجب أن لا يُقرأ كمرثية، بل كجرس إنذار.

علينا أن نبني مؤسسات تحفظ الدولة، لا تبتلعها.

أن نؤسس جهاز مخابرات وطني لا يضلل القيادة، بل يكتشف مبكرًا ويقرع الجرس حين يشتمّ أول رائحة للدخان.

– وها نحن نرى في فترة الحرب الراهنة، ملامح هذا التحول في أداء الفريق أحمد إبراهيم مفضل، الرجل الذي يقود جهاز المخابرات في مرحلة شديدة التعقيد، ويؤدي دوره بمهنية، ولكن التحدي الحقيقي يكمن في أن يقوّي شكيمته بدائرة استشارية مدنية لا تحمل رتبًا ولا تخضع للتسلسل العسكري، بل تخضع للوطن فقط.

– إنه زمن بناء الأجهزة لا العبث بها.

وزمن إعادة تعريف الدولة… من “منظومة أمنية تتآمر على ذاتها”، إلى مؤسسة تحمي شعبها من كل تآمر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.