طواحين الهواء حول وزارة المالية

بقلم : عوض الله نواي

0 27

الصراع ليس شيئًا مبهمًا، بل واضح المعالم ومفضوح الدوافع. إنه صراع حول وزارة المالية والذي يديره إحد “القطط السمان” من عهد البشير، تاجر وقود معروف، تفتّق جشعه يوم أن قصد وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم مطالبًا بتخفيض الضريبة المفروضة عليه من واردات الوقود، وهي ضرائب تهرب من دفعها طيلة سنوات، فكان رده بالرفض.

• لم ييأس، فعاد يعرض “تبرعًا” لحركة العدل والمساواة مقابل إعفاء جزئي، لكن الوزير رآها رشوة مقنّعة وأغلق الباب في وجهه، ووجّه إدارة الضرائب بتحصيل المبلغ كاملًا دون تقسيط. عندها بدأت طاحونة الانتقام تدور: تمّ تدبير مسرحية لإقالة مدير الضرائب، عبر لجنة تقييم سُيّرت دون علم الوزير، رغم أن الضرائب تقع ضمن اختصاصه حسب قانون المال العام.

• لم يُعرض تقرير الأداء المزعوم على الوزير. وعندما اعترض ورفع الأمر لرئيس مجلس السيادة، تم تجاوز اعتراضه، وأصدر عثمان حسين – بتوجيه من أحد أعضاء المجلس – قرارًا بإقالة مدير الضرائب، لتتكشف خيوط الصراع؛ لا بين جيش وجيش، ولا بين ترتيبات أمنية وقوات مشتركة، بل بين دولة تسعى للإصلاح، ولوبيات فساد تُقاتل بسلاح النفوذ.

• هذا التاجر لا يعرف الرحمة، لا يطعم يتيمًا، ولا يسقي عطشانًا، ولا تبرّع يومًا لمسجد أو مشفى أو بئر ماء، بل يقتات على دماء هذا الشعب. وله سوابق مشينة، أشهرها ما وقع مع عبد الرحيم طاحونة دقلو، الذي اعتقله في منزله حين رفض دفع مبلغ “مشفشف”، وهدّده بالقتل ووضع المسدس على رأسه، حتى تبول الرجل على نفسه، وخرج مذعورًا بطائرة خاصة تحت حماية نافذ.

• ومن باب استكمال الصورة، ننقل ما كتبه الصحفي الطاهر ساتي في عموده “الترس الأول”، الذي أوضح أن الحركات المسلحة لم تطالب بأي مقاعد وزارية في الحكومة الجديدة، بل اقترحت عدم المشاركة، ورفض العساكر من عضوية مجلس السيادة هذا الطرح، وحتي كتابة هذا المقال لم تطالب أي جهة من الجهات الموقعة علي اتفاقية جوبا أي منصب وزاري وتركوا الأمر لرئيس الوزراء فقط تشاوروا معه حول اكمال الاتفاقية والتاكيد علي نصوصها.

 

• إن هذا التاجر لا يواجه الدولة مباشرة، بل يُدير معاركه عبر أبواق إعلامية مدفوعة، تُثير القضايا التي تخدم مصالحه، وتطمس ملفات الفساد الحقيقي. يختار توقيتاته بعناية، فيخلط الأوراق، ويُدير معارك إعلامية وهمية، بينما يظل هدفه ثابتًا: حماية نفوذه وتهريب أمواله.

• في عهد المدير المقال لمصلحة الضرائب، شهدت الإيرادات غير البترولية نموًا بنسبة 42% مقارنةً بالفترة السابقة، وتمّت ميكنة 67% من إجراءات التحصيل، وارتفعت حصيلة الضرائب الشهرية بنسبة 35% عن المتوسط العام لعام 2022، وهو ما يُفسر سبب الاستهداف، فالرجل كان حجر عثرة في طريق التهرب الضريبي.

• من هنا يتضح أن الصراع الحقيقي هو بين من يريد بناء مؤسسات دولة، ومن يسعى لإعادة تدوير الفساد بوجه جديد. والمطلوب اليوم من رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس ليس فقط تعيين وزير أو مدير جديد، بل إعلان الحرب على شبكات الفساد المتغلغلة، التي ترى في الإصلاح تهديدًا لثروتها.

• فهل يفعلها؟

أم ستبقى طواحين الهواء تدور في وزارة المالية،

فيما الفاسدون يحصدون الغنائم ويشعلون الغبار؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.