الحقوق المهضومة

بقلم : عوض الله نواي

0 19

في زمن الحرب، تتغير خرائط الحقيقة كما تتغير خطوط النار. لكن ما لا ينبغي أن يتغيّر هو العدل، والاعتراف بمن يقاتلون دفاعًا عن هذا الوطن، لا طمعًا في جاهٍ أو سلطة، بل وفاءً لعهدٍ قطعوه على أنفسهم: ألّا تسقط البلاد.

 

الجيش السوداني، بمؤسساته وهيكله، له ميزانية معلومة، ورواتب محددة، وله حقوق تُصرف لجنوده بعد التقاعد، بل وحتى شهداؤه يُكرَّمون، وتُصرف لأسرهم استحقاقات معروفة من داخل المؤسسة العسكرية.

لكن القوات المشتركة التي تقاتل اليوم في الميدان، منذ بداية الحرب، من يحفظ لها هذا الحق؟ من يدفع رواتبها؟ من يعترف بأُسر شهدائها؟

 

هناك سؤال جوهري يجب أن يُطرح بوضوح:

هل يقاتل الجيش السوداني مجانًا؟ أم يتقاضى رواتب وامتيازات من الدولة؟

الواقع واضح: كل ضابط وجندي يتقاضى راتبه، ويُعامل بموجب لوائح الخدمة العسكرية. وهذا لا يُنكر على أحد.

 

لكن ما يُراد طمسه، هو أن القوات المشتركة تقاتل دون أن تجد الاعتراف الكامل من الدولة، أو الإعلام، أو الأقلام المأجورة، التي ما زالت تصوّر الأمر وكأنه حرب طرف واحد، بينما الحقيقة أنها حرب شارك فيها الجميع، وتحمل تبعاتها أولئك الذين لم يُدرَجوا في جداول المرتبات، ولا في كشوفات التكريم.

 

واليوم، تعود الصحافة الصفراء لتنبش دفاتر محاضر الاجتماعات، لا بحثًا عن المصلحة العامة، بل لتوزيع سمومها، وبثّ روايات ملفّقة عن “أطماع” مزعومة.

أيّ أطماع؟ والحرب في أوج اشتعالها، والمليشيا تتأهب للانقضاض على ما تبقّى من رماد الوطن؟

 

وعليه، فإن رئيس مجلس السيادة مُطالب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن يُخاطب الرأي العام بوضوح، ويوضح أن اتفاق جوبا ما زال حيًّا، وما زالت استحقاقاته قائمة، وليس كما تزعم بعض الأبواق بأن الاتفاق قد انتهى.

 

الاتفاق لم ينتهِ… بل الذي انتهى هو صبر الناس على الأقلام المأجورة.

بين من يُفخّم الضجيج الإعلامي، ومن يُشعل الفتنة بمقال مأجور، هناك دائمًا من يدفع الثمن في الميدان، وهو لا يملك منبرًا يدافع به عن دمه، لكنه يملك ما هو أثمن: شرف القتال، وصمت التضحية، وانتظار الاعتراف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.