الفصل الثاني .. خلق الإنسان بين الطين والروح

تأليف : عوض الله الصافي نواي

0 11

من كتاب : تأملات بين طبقات الذات البشرية

قال الله تعالى: ﴿ إني خالق بشرًا من طين ﴾

﴿ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ﴾

(سورة ص، الآيتان 71-72)

بهذه الآية تُرسم حقيقة الإنسان الأولى: أنه من طين، وأنه ليس مجرد طين. فالتراب وحده لا يُكرَّم، لكن حين يسكنه السر الإلهي، يُؤمر له بالسجود. حين يُسوى الجسد، وتُنفخ فيه الروح، يخرج إلى الوجود كائنٌ بين منزلتين، يحمل في أعماقه شيئًا من الأرض، وشيئًا من السماء.

ذلك التكوين المزدوج هو أصل ما نحن عليه. فالإنسان ليس مجرد جسدٍ يتحرك، ولا روحٍ معلّقة بالملكوت. إنه كيان مركّب من سبع طبقات متداخلة، لا يمكن فهمه دون إدراك هذه الأبعاد التي تكشف عن ذاته العميقة.

أول ما نختبره في وجودنا هو الجسد، ذلك البعد الذي يجعلنا نشعر بالجوع والبرد والتعب، ويدفعنا إلى طلب الراحة والدعة. الجسد هو الوعاء، وهو أصدق ما يعكس حاجاتنا اليومية. ومع الجسد، تستيقظ النفس، وهي البعد الذي يتقلّب بين الحزن والفرح، بين الرغبة والخوف، بين الشوق والخذلان. النفس سريعة الاهتزاز، حساسة للضوء والظل، وتكشف عن هشاشتنا العاطفية واحتياجنا للطمأنينة.

ثم يتفتّح فينا العقل، البعد الذي يسأل، يربط، يشكّك، ويتأمل. به نُدرك المعنى، ونبحث عن الحكمة، وننقّب في أعماق الأشياء. غير أن العقل، حين يُفصل عن نور الروح، يغدو أداةً باردة، تحصي كل شيء لكنها لا تفهم شيئًا. ولذلك جاءت الروح، ذلك البعد النوراني الذي لا يُقاس ولا يُحدّ، هي ما يجعل الصلاة حضورًا لا حركة، والدعاء رجاءً لا كلمات، والخوف من الله خشيةً لا انكسارًا. الروح لا تُرى، لكنها تُضيء، وإذا أُطفئت، انطفأ كل شيء فينا.

ويمتد وجود الإنسان داخل الزمن، وهو البعد الخامس الذي لا يُمهل أحدًا. نحن نولد في لحظة، ونغيب في لحظة، وما بينهما اختبار لا ينتهي. نركض خلف ما لا يُدرك، ونندم على ما لا يُسترد، وننتظر ما لا نعرفه. وفي قلب هذا الزمن، نعيش في مجتمع، في روابط، في علاقاتٍ تُشكّلنا، وتُربينا، وتُصقل وعينا. لا أحد ينجو من الناس، ولا أحد ينمو دونهم. إنهم البعد السادس فينا، يحموننا أو يخذلوننا، لكنهم دائمًا يعلّموننا.

أما البعد السابع، فهو الغيب. ذلك الذي لا يُرى بالعين، لكنه يُستشعر بالقلب. الإيمان بالموت، بالبعث، بالجنة، بالقدر، بما لا نملكه، ولا نتحكّم فيه. هو البعد الذي يجعلنا نُصلي دون أن نرى الله، ونصبر دون أن نفهم لماذا، ونمشي في طريقٍ مظلم لأن النور وعدٌ لا مرئي.

وحين تتشابك هذه الأبعاد، تتشكّل صورة الإنسان. ولكن ما أسهل اختلال هذا التوازن. إذا طغى الجسد، أسرنا الكسل والشهوة. وإذا سادت النفس، سرنا خلف المزاج والهوى. وإذا استبد العقل، مات الشعور. وإذا غابت الروح، ذبل الوجدان. وإذا نسينا الزمن، غرقنا في تأجيل الحياة أو الحنين لما فات. وإذا انعزلنا عن المجتمع، تهنا في وحدةٍ لا معنى لها. وإذا أنكرنا الغيب، تاهت البوصلة وساد الفراغ.

ليس فهم هذه الطبقات رفاهًا ذهنيًا، بل هو ضرورة تمسّ جوهر الإنسان. لأن الوعي بها يعيد إلينا اتزاننا الداخلي، يجعلنا نعيش بكامل حضورنا، جسدًا وروحًا، عقلًا ونفسًا، زمنًا وغيبًا. الإنسان الكامل هو من يعبر هذا التداخل المعقد بتواضع، لا يرى نفسه أفضل من تراب، ولا أعجز من نجمة.

لكن حتى حين نبلغ هذا الوعي، يبقى سؤالٌ ينخر فينا: لماذا؟ لماذا جُعلنا من طين ونُفخ فينا من الروح؟ لماذا نحيا في هذا الصراع؟ لماذا الفقد؟ لماذا الموت؟ لماذا نولد ثم نُجرَح ثم نُفارق؟ هنا، لا تكفي الفلسفة، ولا يهدّئنا التكرار، ولا تُقنعنا المقولات الجاهزة. هنا، تبدأ الصدمة.

تلك الصدمة التي لا تُعلن عن نفسها بكلمات، بل بصمت. حين يسقط شيء داخلك فجأة، ويبدأ سؤال لا يتوقف. تلك هي الصدمة الوجودية… وليست نهاية، بل بداية كتابٍ جديد، وسؤالٍ جديد، ورحلةٍ طويلة نحو الحقيقة التي لا تُقال.

ولنا لقاء في الفصل الثالث الصدمة الوجودية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.