العملاء.. آفة الدول

كتب : عوض الله نواي

75

الحرب تقوم على الخِداع؛ فإن استطعت أن تهاجم، فتظاهر بأنك لا تستطيع؛ وإن كنت قريبًا، فأوهمهم أنك بعيد — صن تزو، فنّ الحرب.

حين تصبح الورش الأمنية علنية، وتُعرض خطط إصلاح الأجهزة الحساسة أمام سفراء أجانب في قلب العاصمة، فاعلم أن ظهر الوطن قد كُشف، وأن من في الداخل صار أخطر من كل عدو بالخارج. هذا ما فعلته قوى الحرية والتغيير، حين طرحت خارطة تفكيك جهاز المخابرات على طاولة سفراء الاتحاد الأوروبي والترويكا، وقدّمت لهم أسماء الضباط المطلوب فصلهم، ومسودات إصلاح تُشبه “دفاتر تخابر” أكثر من كونها رؤية وطنية.

وليس التخابر بالخفي، بل كان في مكبّرات الصوت، تحت لافتة “الإصلاح الأمني”، فصارت السفارات الأجنبية تعرف أدقّ تفاصيل مؤسساتنا الأمنية، وأسماء عناصرها، وخطط توزيعهم، وأهداف الإقالات القادمة، بل وصل الأمر حدّ “التدريب على كيفية تفكيك الجهاز” برعاية دولية، في خيانة صريحة لا تحتاج إلى تأويل.

مثل هذا النوع من التواطؤ هو ما يُسقط الدول من الداخل، ويفتح أبوابها أمام جواسيس الخارج.

ما فعله الموساد داخل إيران هو نسخة متقدمة من هذا السيناريو، إذ تسرّب العدو إلى الداخل في غفلةٍ من الزمن، ونفّذ ضربات دقيقة بمعلومات ميدانية جمعها عملاؤه. أما إيران، فهي دولة إسلامية تُحاصر لأنها وقفت أمام المشروع الصهيوني، ويجب على كل مسلم أن يُدرك من عدوه الحقيقي.

لا نُشيد بالموساد، بل نحذّر من فعله، وننبّه إلى الخرق الأمني الذي يبدأ بالتواطؤ السياسي. فالمعلومة هي سلاح المرحلة، و”العميل” هو أول من يطلق الرصاص في المعركة، لا من يحمل البندقية.

ولأننا في السودان نخوض معركة الكرامة، فإن جهاز المخابرات العامة أثبت أنه صمام الأمان الأول، ودرع السيادة الخفي. من الميدان إلى الاقتصاد، ومن الرصد الحزبي إلى الأمن الاستباقي، ومن التنسيق الخارجي إلى حماية المعلومات، كان هذا الجهاز حاضراً كالشبح، يُراقب ويحذّر ويتدخل في اللحظة المناسبة.

تحت قيادة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، ارتقى أداء الجهاز إلى مستوى المعارك الكبرى، فصار يعمل بصمت في كل الجبهات: حماية الجبهة الداخلية من الاختراق، وملاحقة شبكات العملاء، وتعطيل محاولات التخابر، وضبط معابر التسريب والتمويل الأجنبي، وهي أدوار لم تكن لتنجح لولا تراكم الخبرة والإرادة المؤسسية.

إن دعم جهاز المخابرات اليوم واجب وطني، لا خيار بينه وبين الإنفاق على بنى أخرى. لأن الجدار لا يُبنى بالإعلام، بل بمن يمنع تسريبه. وكما قال الشيخ فرح: “الضهر المكشوف بدقّوا ليه الطير”، فإن أخطر ما تواجهه الدولة اليوم ليس العدو المعلوم، بل الحليف المدفوع الثمن، الذي يفتح الثغرات تحت مسمّى الإصلاح.

فليكن هذا الجهاز، بقيادته الحالية، محميًا بالإرادة السياسية، ومدعومًا من الميزانية بلا تردد. لأن الحرب القادمة لن تُحسم في الخنادق، بل في غرف التحليل، وشفرات الرصد، وخيوط العملاء التي يجب أن تُقطع قبل أن تتحرك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.