ختمنا مقالنا السابق منوًهين للإستقطاب الدائر داخل النخبة الشمالية النيلية في السودان (المركز العروبي والمركز النوبي) وهو إستقطاب ظل موجودا منذ دخول العرب السودان ولكنه كان يتخفف بفعل ميكانيزمات الأسلمة والإستعراب وسط المكون النوبي. ولكنه ومنذ مبتدأ تسعينيات القرن الماضي مع إرهاصات تشكل (الحلقة النوبية فائقة الأهمية) بدأ هذا الإستقطاب يأخذ شكلا منظما ومتطورا. فمن المعلوم أن آيديولوجية المركز العروبي في السودان قد سيطرت على توجه الحركة الوطنية في السودان منذ إنهيار وسقوط حركة اللواء الأبيض في العام ١٩٢٤م، فلقد كانت هذه الأخيرة آخر عمل وطني خطير ومؤثر ومنظم تقوده العناصر الأفريقية داخل نسيج الدولة والمجتمع السوداني. إذن وبإقصاء مجموعة على عبد اللطيف من (المنبتين قبليا) من ذوي الأصل الأفريقي بفعل قمع وسياسات السلطات الإنجليزية المحتلة آنذاك تراجعت رمزيات وتأهّبت رمزيات جديدة للصعود للمسرح السياسي في السودان. في ١٩٥٦م نالت بلادنا إستقلالها كي تتسنم الرمزيات العروبية للحركة الوطنية السودانية الساحة عبر قواها المختلفة (الأمة والإتحاديين والشيوعيين والإخوان المسلمين) مذّاك والي اليوم. لقد مارست هذه القوى السلطة من قاعدة آيديولوجية المركز العروبي وهي قاعدة تشكّلت دوما بقيادة العنصر العروبي النيلى (مجموعة عدنانية من أصل عباسي) متحالفة مع المجموعات العربية في الأطراف وهي مجموعات رعوية جهنية. وسار هذا الأمر في نظاميته التي عهدناها وتعودناها كسودانيين إلى أن إعتلت عناصر الإسلام السياسي داخل المركز العروبي النيلي السلطة في السودان في العام ١٩٨٩.حسنا.. هنا بدأ إستقطاب داخل نفس المجموعة الإجتماعية العروبية المسيطرة (مجموعات الشمال النيلي) بين قوى الأسلمة وقوى العلمنة وقد حشدت هذه الأخيرة طيف واسع من الحلفاء بهدف إسقاط نظام الإسلام السياسي، حلفاء سياسيين داخليين وقوى إجتماعية جنوبية وفيما بعد من دارفور والشرق وحلفاء إقليميبن وغربيين بهدف إسقاط ما أسموه ب(الإسلام السياسي) ممثلا في الإنقاذ. وفي هذا الخضم تشكل من المجموعات النوبية المعلمنة تيار جديد وخطير ربط كفاحه مع تيار التقسيم الغربي (خطة برنارد الويس) . وهكذا رويدا رويدا تكونت الحلقة النوبية فائقة الأهمية التي حددت أهداف سياسية واضحة بإقامة كيان نوبي ينسجم مع أهداف خطة التقسيم بكل من السودان ومصر.
حسنا.. وفي خضم ذلك تشكلت رمزيات لهذا العمل الذي صار مع شروق كل شمس يزداد طولا وعرضا وإرتفاعا. لقد برز الملياردير البريطاني من أصول سودانية (مو إبراهيم) إلى جانب بعض المجموعات الإقتصادية والسياسية داخل السودان ، كذلك نشأت مؤسسات على هامش ذلك مثل آيديا (IDEA) وهي منظمة مجتمع مدني دولية مقرها السويد تعني بدعم الديمقراطية ، هذه صارت رأس رمح الحراك المنظم في الأروقة الدولية لهذه المجموعة. وفي ثنايا ذلك إلتقط مو إبراهيم صديقه القديم د. عبد الله حمدوك وربطه بآيديا وهكذا إلى أن أتي به أخيرا رئيسا لوزراء الحقبة الانتقالية بعد سقوط الإنقاذ. وبذا ضربت الحلقة النوبية فائقة الأهمية بمهارة وحذاقة متمكنة من السيطرة على السلطة السياسية في السودان. لقد كان للحلقة النوبية فائقة الأهمية جملة أهداف يتقدمها هدف إستراتيجي (Goal) هو إسقاط المركز العروبي النيلي بعيدا عن مركز السلطة في السودان، وبالطبع فلقد كان إسقاط الإنقاذ العتبة الأولى في ذلك لأنها (أي الانقاذ) قد مثّلت رأس رمح هذا المركز العروبي بألف ولام العهد. لقد كان إسقاط الإنقاذ عملا بالغ التعقيد تضمن شق القاعدة الإجتماعية للمركز العروبي الحاكم بسحب الحليف الرعوي العروبي ويمثله (الدعم السريع) بمساعدة حليفهم الخليجي وهكذا تعرّت آيديولوجية هذا المركز من أهم غطاء ديمغرافي وحليف إجتماعي. بعدها شنوا حربهم بمعاونة حلفائهم الإقليميين مستثمرين في حليفهم الجديد (الدعم السريع ) لضرب آخر معاقل المركز العروبي في السودان (الجيش) وهي المهمة التي كادت أن تحقق النجاح لولا عناية الله.
إذن فلقد صمم (المشروع العمسيبي) من أجل إستدراج المركز العروبي النيلي للدخول في شراكة غير متكافئة طرفاها المركز العروبي والمركز النوبي النيليين، وهنا يتم الإستفراد بالوجود العروبي النيلي كي يكون مستلحقا في دولة تم التخطيط لها منذ نصف قرن بواسطة مراكز عالمية غربية وصهيونية وتحت تصرفها موارد ضخمة لتحقيق هذا المخطط. بينما نجد أن المركز العروبي النيلي وفي هذه اللحظة التاريخية يقف وهو في أضعف أحواله بعد أن إفتقد حليفه القديم (عرب الأطراف) وقبلها سقطت قوته الصلبة التي مثلته في العقود الأخيرة (الإنقاذ) وتاهت قواه الباقية المسيّسة (الحزب الشيوعي، حزب الأمة، التجمع الاتحادي، حزب المؤتمر السوداني وباقي اليسار) بل أصبحت هذه القوى ألعوبة في جيب الحلقة النوبية فائقة الأهمية. إن إقحام المركز العروبي النيلي في مغامرة إنفصالية مع المركز النوبي في هذه اللحظة من التاريخ ليس أكثر من مؤامرة يساق إليها هذا المركز كلقمة سائقة يبتلعها المركز النوبي وحلفائه (الذين هم في ذات الآن أعداء المركز العروبي) وهو ما سوف يمكن المركز النوبي من وراثة كامل الكيان الجديد أولا لأنه يمثل مركزا ماليا ضخما على الصعيد العالمي والمحلي بعكس المركز العروبي في لحظته الراهنة ثم ثانيا أنه يتوفر على حلفاء إقليميبن أقوياء بعكس المركز العروبي الذي لن تقف معه إلا مصر التي هي الأخرى تشكل هدفا لنفس الهجمة في ظل خوار إقتصادي لم تشهده من قبل. ثم أخيرا أنه (أي المركز النوبي) يحقق في هذه اللحظة الراهنة إرادة الغرب في المنطقة بعكس المركز العروبي. إذن فإن (المشروع العمسيبي) وكما أسلفنا ليس مشروعا ينبع من الإحتياجات الحقيقية للقوى الإجتماعية التي يدّعي تمثيلها بالشمال النيلي بقدر ما هو مشروعا مفخخا لإكمال المؤامرة التي يراد لها أن تنتهي بضمان الإجهاز النهائي على المركز العروبي النيلي. قطعا فإن هذا الأخير اليوم تتناهشه أزمة ماحقة ولكنها لا تحل بمزيد من الهروب أو القفز في الظلام. أولا يتوجب على هذه القوى الإجتماعية التي مثلت هذا المركز أن تراجع موقفها التاريخي وتدفع إستحقاق إخفاقات في توزيع تركة سودان بعد الإستقلال وأن تستوي على جودي الوطنية السودانية الحقة والتي يجب أن تقوم على المصادر الحقيقية للوطنية السودانية مع التوزيع العادل لتركة الإرث الكوشي (كأهمّ مصدر للوطنية السودانية) على كافة الوارثين في سودان اليوم ، الإرث الذي باسمه تشكلت أيديولوجية المركز النوبي النيلي وحلقته فائقة الأهمية بعد أن أعملوا فيه هواهم بخفة يد علمية منقطعة النظير كما أوضحنا في الحلقة السابقة. فليس من مناص اليوم للمركز العروبي النيلي سوى التحصن بكافة الأقوام السودانية التي وقفت مع جيشنا في مواجهة الهجمة التي تستهدف بلادنا الأن والتي لا تدانيها إلا حملات الدفتردار الانتقامية. لذا وفي سبيل ذلك بذلنا هذا الجهد في كشف وتعرية هذا (المشروع العمسيبي) ، وقد يعتقد البعض أن ذلك لا يستحق المداد الذي هدرناه فيه ولكن في ملتي وإعتقادي أن بلبلة كبرى أصابت بلادنا لا يطفؤها إلا التذكير علّ الذكرى تنفع المؤمنين..
نواصل.
الجمعة .. العاشر من يناير 2025