أول خطوة في العتبة الخارجية

كتب : عوض الله نواي

0 30

في لحظة سياسية حساسة تعيد تشكيل الدولة من جذورها، وجّه رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس بإنشاء مجلس للعلاقات الخارجية يضم سفراء، وخبراء، وأكاديميين، وممثلين من الجهات ذات الصلة، لوضع رؤية استراتيجية تحكم علاقات السودان الخارجية وتساعد صانع القرار في تجاوز العبث والارتجال.

 

هذا التوجيه، وإن بدا قرارًا إداريًا تقليديًا، إلا أنه يُعد في جوهره أول خطوة على العتبة الخارجية، حيث تستعيد الدولة أحد أهم أدواتها السيادية: العقل المؤسسي في اتخاذ القرار الخارجي.

 

قبل سنوات، وتحديدًا في عام 2016، كتبت في عمود بعنوان “ملتقى طرق – من يصنع السياسة الخارجية؟” أن السياسة الخارجية لا تُصاغ بقرارات فردية أو بدوافع لحظية، بل هي ترجمة دقيقة للهدف العام للدولة، وتحويله إلى سياسات وخطابات واتفاقات ومواقف. وهي بذلك عملية تشاركية تتطلب تنسيقًا عميقًا بين أدوات الدولة ومؤسساتها.

 

وللتذكير، فإن أدوات صناعة السياسة الخارجية يمكن تلخيصها – كما وردت حينها – في قسمين رئيسيين:

 

*أولاً: المؤسسات الحكومية وتشمل:*

• رئيس الحكومة باعتباره المرجعية السياسية العليا.

• وزارة الخارجية بوصفها الجهة المختصة بالتنفيذ والتمثيل الدبلوماسي.

• الأجهزة الأمنية والمخابرات الخارجية التي تزوّد الدولة بالمعلومات والرؤية الاستراتيجية.

• مجلس الأمن القومي كمنصة لتنسيق الرؤية الأمنية والسياسية.

• السلطة التشريعية (البرلمان) التي تُناقش وتُجيز الاتفاقيات والمعاهدات.

 

*ثانياً: المؤسسات غير الحكومية وتشمل:*

• الأحزاب السياسية التي تؤثر في القرار من خلال برامجها وتحالفاتها.

• جماعات الضغط والمصالح التي تمثل قطاعات اقتصادية أو إثنية أو دينية.

• وسائل الإعلام التي تشكل الرأي العام الداخلي والخارجي.

• المراكز البحثية والأكاديميين الذين يقدمون المشورة والتقدير والتحليل.

• الرأي العام كمؤشر معنوي على قبول أو رفض السياسات الخارجية.

 

*وقد أكّدت في العمود ذاته أن:*

 

“المعضلة الكبرى ليست في غياب هذه المؤسسات، بل في غياب التنسيق بينها، وترك السياسة الخارجية نهبًا للتصريحات المنفلتة والاختراقات الإقليمية، دون ضبط أو مساءلة.”

 

ما فعله د. كامل إدريس الآن، هو محاولة لردم هذه الفجوة، عبر إنشاء منصة دائمة تجمع الفاعلين الحقيقيين في القرار الخارجي، وتصنع لأول مرة منذ عقود ذاكرة مؤسسية لعلاقات السودان الدولية.

 

*لكن هذا لن يكفي وحده.*

 

نحتاج أن تُستعاد وزارة الخارجية من أيدي الأحزاب، وأن يُمنع التصريح في الشأن الخارجي إلا للجهة المخوّلة، وأن نُعيد الاعتبار للمهنيين الذين قضوا أعمارهم في العمل الدبلوماسي ولم يُستدعوا إلا عند كتابة التاريخ.

 

صناعة السياسة الخارجية ليست شأنًا ثانويًا. إنها امتداد مباشر لتعريفنا بأنفسنا كدولة.

وإذا كان الداخل غير متصالح، فالخارج سيكون مرآةً متكسّرة.

 

العتبة الخارجية لا تحتاج فقط إلى مجلس، بل إلى عقل جامع، وصوت واحد، وهدف لا يُخطئ بوصلته.

 

* *في حكمة الفلاسفة عن علاقات الدول:*

 

“حين تتوقف الدول عن الإصغاء لصوت العقل، تبدأ لغة المدافع.” – نيكولو مكيافيلي

 

“لا توجد صداقات دائمة بين الدول، بل مصالح دائمة.” – اللورد بالمرستون

 

“الدبلوماسية هي فن تجنب الحرب دون التفريط في الكرامة.” – هنري كيسنجر

 

“الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى، ولكن السياسة الناجحة تمنع الحرب من البداية.” – كارل فون كلاوزفيتز

 

“لا تستطيع أن تكون قويًا خارجيًا، إن كنت هشًّا داخليًا.” – جورج كينان

*

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.