عمود اليوم: دروس لمن وُكل إليه الحكم بعد العاصفة

بقلم : عوض الله نواي

0 15

إن أسوأ الحُكّام من اعتقد أن الدولة مزرعة، وأن الشعب قطيع يحتاج إلى راعٍ لا إلى شريك.” – جان جاك روسو

 

هذه الحكمة ليست قولًا عابرًا، بل مرآة لحال الدول حين تتسلل الأنانية إلى كرسي الحُكم. ونحن اليوم أمام فرصة أخيرة لبناء دولة لا يستبد فيها أحد باسم الإنقاذ، ولا يتحكم في مصيرها رعاة الأحزاب.

 

يا دولة رئيس الوزراء، نعلم أن حمل الأمانة ثقيل، وأن شظايا الحرب ما زالت تتطاير في الشوارع والنفوس، لكنك تملك فرصة لا تتكرر، فإليك هذه الوصايا:

 

*١. ميزان لا محاصصة*:

اختر من كل بقعة من الوطن من يستحق، لا من يطالب، فالأرض لا تُقسم بـ”الحنجرة”، بل بما يقدمه الإنسان من فعل. واذكر أن “في الحكم كما في الحرب، إذا عرفت متى تقاتل، ومتى لا تقاتل، فستنتصر.” – صن تزو

 

*٢. عُد إلى أهل الدولة لا أهل السياسة*:

الضباط الإداريون الذين خدموا السودان في فجاجه، لا يعرفهم تويتر ولا يذكرهم الإعلام، لكنهم يعرفون الناس، ويعرفهم الناس. ليسوا حملة شعارات، بل أهل دراية وتجربة. والعدل لا يُقام بمن يصرخ، بل بمن يَفهم.

 

*٣. الكفاءات الصامتة، لا الوجوه المحروقة*:

ابحث في دهاليز الجامعات، بين دفاتر الباحثين، وفي أطراف السودان، عن الذين لم يظهروا على الشاشات لكنهم خدموا بصمت. هؤلاء هم من يمكن الوثوق بهم حين تصمت الضوضاء. وكما قال محمود درويش: “وطني ليس حقيبة، وأنا لست مسافرًا.. إنني العاشق والأرض الحبيبة.”

 

*٤. لا تكن نُسخةً ممن سبقوك*:

إن أسهل الطرق أن تستنسخ ما فعله غيرك، لكن في التقليد هلاك. التجديد لا يعني مخالفة الشكل، بل إعادة تعريف الوظيفة. لا تحشر في الحكومة أسماء حُرقت من كثرة التجريب، ولو جاءتك مُزينة بعباءة وطنية.

 

*٥. الوزارات الخدمية أولًا*:

ابدأ بالتعليم، الماء، الصحة، والكهرباء. دع السياسة تُنتظر، فإن الجائع لا يتفاوض، والمريض لا يسمع الخطب. واجعل الوزارات الخدمية هي أول سطور الدولة الجديدة، فهذه الوزارات تُقيم العدل الملموس.

 

*٦. لا تستورد الدولة من الخارج فقط*:

في الخارج كفاءات، نعم. لكن في الداخل أرواح ظلّت تحرس المرافق رغم انقطاع الرواتب والحصار والدمار. لا تُقصهم لأنهم لم يأتوا من عواصم الاغتراب. واذكر أن من عرف البلاد من داخلها، أقرب لحل مشكلاتها.

 

*٧. لا تترك الأمر للأصدقاء والمعارف*:

الدولة ليست وليمة، ولا تشكيل الحكومة دعوة عشاء. اختر بالتجربة، لا بالمعرفة. واعهد بالمهمة إلى لجنة مهنية لا تعرفك، وتعرف الوطن. فقد قيل في الحكمة: “القرار الصائب هو الذي لا يحتاج إلى شرح طويل، بل يُدافع عن نفسه بنتائجه.”

 

*وفي الختام…*:

 

“العدل أساس الملك، فإذا ضاع العدل ضاع المُلك، ولو نجا به الكافر وهلك دونه المؤمن.” – ابن تيمية

 

“كلما كان الحاكم عادلًا، استغنت الدولة عن السجون.” – مونتسكيو

 

“أصل الدولة هو الإرادة العامة، فإن زاغت، زاغت الدولة.” – جان جاك روسو

 

“إذا أردت أن تعرف مستوى حضارة أمة، فانظر كيف تُحكم.” – أفلاطون

 

“احكم كما لو أن صوتك سيُسمع بعد قرن، وكأن قرارك سيُعرض على ميزان العدل في صحائف الأمم.”

 

فمن بُني له الحكم على حُطام الحرب، لا يملك أن يستهين بثقل الأمانة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.