حسنا.. وبما يبدو من خيوط الأحبوكة المحاكة لإبتلاع بلادنا بحنكة وإتقان ، فلقد تمت أكبر عملية تمويه وخداع إستراتيجي لضمان إبتلاعنا الطعم المعد بعناية. وفي سبيل ذلك شبٍكت علاقات سياسية محلية ودولية وعلاقات مراكز مال محلي وعالمي كذلك وشبكات إستخبار ومراكز بحثية وأكاديمية. وفي سبيل ذلك كذلك تم إستخدام شخصيات لا تخطر على بال أحد كجزء من هذه الشراك الجهنمية. تقع في قلب هذه العمليات الحلقة الفائقة الأهمية التي نظّمت كل الجهد الإحترافي الذي أدى لسقوط نظام الإنقاذ في ٢٠١٩ ، بيد أنها (أي الحلقة) إنتظمت لعقود خلت ويقف على رأسها رجل الأعمال البريطاني من أصول سودانية نوبية السيد/محمد إبراهيم فتحي المعروف عالميا بالسيد/مو إبراهيم. يقع مشروعنا محل إهتمام هذه السلسلة (المشروع العمسيبي) ضمن وعلى تخوم مشروع الحلقة الفائقة الأهمية عالية الذكر. فلقد طرأت مطلوبات في الأروقة الأمريكية والبريطانية تستدعي تبني مجموعة محلية تساهم وتكون ضمن مشروع التقسيم منذ مبتدأ الثمانينات على عقابيل مخطط (برنارد لويس) المذكور في الحلقات السابقة. لم يكن ممكنا التنسيق في هذا المضمار مع العناصر العروبية في السودان النيلي لأن احد مجموعاتها الأساسية كانت تتأهب للانقضاض على السلطة في السودان، ولكن وعلى عقابيل الهجمة على الإسلاميين الذين سيطروا على السلطة لتوهم في السودان لدى مبتدأ تسعينيات القرن الماضي نشأت خطة الدولة النوبية في السودان ومصر إذ أن إطارا واسعا من النخبة النوبية خارج السودان أكاديميين ورجال أعمال ومثقفين وسياسيين إصطفوا لإسقاط نظام الإسلاميين في السودان مذاك. لقد إنتظمت من هؤلاء دائرة بالتنسيق مع دوائر غربية إستخبارية ومراكز مال وأوساط بحثية أكاديمية ، أقول إنتظمت هذه المجموعات للدعوة لترسيخ المطابقة بين إطار الحضارة النوبية القديمة في وادي النيل وإطار الحضارة الكوشية ، وهو ما يجعل إستتباعا الشعب النوبي بكل من مصر والسودان الوريث الوحيد لكوش وحضارتها وبله إمتلاك الحق في إقامة كيان ذي حدود سياسية في الفضاء من شمال الشلال الأول إلى جنوب الشلال السادس. فقطعا ومذاك ظهرت حلقة أو مركز غاية في النفوذ يستطيع حتى التلاعب بحقائق التاريخ والجغرافيا وتحويل ذلك لأدلوجة تتلاعب عبرها هذه الحلقة بعدة ملايين من النوبيين في سبيل تحقيق هذا الهدف.
كل ذلك يحدث حتف أنف كافة الحقائق التاريخية التي تؤكد عدم مطابقة الإطار النوبي للإطار الكوشي إذ يتفق كافة مؤرخي تاريخ السودان القديم (عبد القادر محمود عبد الله وأسامة النور وسامية بشير دفع الله ومصطفى محمد مسعد وهللسون وبروس تريقر وغيرهم) على أن أول ظهور للمجموعة النوبية في وادي النيل كان في القرن الأول الميلادي بيد أن كوش الأولى (كرمة) تسيّدت هذا الفضاء مما قبل ٢٥٠٠ ق م . كذلك أكدت ذلك اكتشافات مقابر المجموعة س (X-group) التي تعود للفترة ٣٥٠-٥٥٠م في النوبة السفلي التي أكتشفت بواسطة كل من ريزنر وإمري وكيروان، الاكتشافات التي أكدت بشكل قاطع أن العناصر الحضارية للمدافن الملكية لهذه المجموعة قد إختلفت بالجملة عن العناصر الحضارية للأسر الحاكمة المروية التي سقط حكمها على يد عيزانا في ٣٥٠ م لدى سقوط مروي نفسها في هذا التوقيت. كذلك أكد كافة خبراء اللغات القديمة على إختلاف إشتقاق اللغات النوبية عن اللغة المروية وهو ما أكده كل من (هنتز) و(كرستي روان) ، إذ يقول الأخير بأن لا علاقة لهذه الأخيرة بأي من اللغات الأفريقية رغم تصنيفها ضمن عائلة اللغات النايل صحراوية التي فعلا تنتمي لها اللغات النوبية مما جعله يشكك في نسبتها لهذه العائلة اللغوية (Nilo-Sahran) ونسبتها لجملة اللغات الأفريقية الاسيوية (Afroasiatic). ولا أدري كيف يفسر ناشطو التراث النوبي الذين يتولون كبر هذا الادعاء كتابة لغتهم بالحرف القبطي وليس بالحرف المروي هذه الأخيرة التي كانت تستخدم في الكتابة إلى القرن التاسع الميلادي إلى جانب اللغات النوبية في الممالك المسيحية التي قامت بعد مئتي سنة من سقوط مروي (نوباتيا والمغرة وعلوة).. يا لهول الادعاء ويا لعظم الاكذوبة!!!!؟. بالطبع هناك رأي آخر يقوده سير هارولد ماكمايكل الموظف بالإدارة البريطانية بالسودان في حقبة الحكم الثنائي الذي يصر أن كل من كلمتي نوبت(تعني يمشط) ونوبو(تعني الذهب) ذات علاقة بالنوبة كمجموعة إثنية ولكن تعترض بروفسير سامية بشير دفع الله على ذلك مؤكدة أن ذلك لا يعدو سوى أن يكون تشابه لفظي. تشير بروف دفع الله أن رأى ماكمايكل عاليه هو ما إستمسكت به الجماعات النوبية المعاصرة ممن تسموا بباحثي التراث النوبي، وتستطرد بروف دفع الله أن هؤلاء هم من يروجون أن أسلاف النوبيين الحاليين هم من صنع كل تاريخ السودان القديم ولا يعترفون بوجود أي إثنية قديمة بما في ذلك الاثنية الكوشية الذائعة الصيت!!.تختتم دفع الله مؤكدة للغرابة أن كل هذه الإدعاءات لا تنشر في أعمال علمية محكّمة بل تطلق في محاضرات وندوات عامة عبر الأسافير!!!.
إذن وكأولوية ومن أجل عدم إختطاف الوطن يتوجب اليوم قبل الغد معرفة كل المشروعات المريبة أسفل الطاولة وخلفها ومعرفة كل الحقيقة وليس الحقيقة المسيسة أو المؤدلجة أو المعدلة والتي يتم إستخدامها والتلاعب بها ضمن إستراتيجية السيطرة بين قوى إجتماعية ضد قوى إجتماعية أخرى داخل الوطن وإستخدام هذا الصراع بواسطة القوي الكبرى في العالم لتحقيق إستراتيجياتها ومصالحها. مثلا.. حقيقة العلاقة بين د. حمدوك ومو إبراهيم قبل وبعد مشروع آيديا (IDEA) ، ولم تلقف هذا الأخير حمدوك مذ إكماله دراساته العليا بمدينة مانشستر موظفا لديه منذ مبتدأ التسعينات والي يوم الناس هذا. هذه المعلومة الاستراتيجية سوف تجيب على ألف دزينة من الإستفهامات العالقة في أذهان السودانيين من شاكلة كيف إخترقت الحلقة الفائقة الأهمية المؤتمر الوطني وألقت أمامه الكنز الحمدوكي والذي كحاوي مشعوذ سوف يردد (شخارم بخارم) لفك تعقيد ما أشكل على باقي أساطين الإقتصاد السوداني!! ؟. كذلك حقيفة الصراع بين الإنقاذ ومجموعة الغلال الأشهر في السودان والتي ينتمي مالكوها لمشروع الحلقة فائقة الأهمية.. ما الذي ألهم الإنقاذ نزع الإمتياز الحصري للقمح من هذه المجموعة الذي تمتعت به لأكثر من عشرة أعوام مما جعلها مجموعة الأعمال الأضخم في السودان والإقليم. ومن هنا يتوجب البحث عن دور هذا الصراع في إنهيار الإنقاذ؟.. إذن وما علاقة الحلقة فائقة الأهمية بالمخابرات البريطانية التي دخلت من بعد ذلك بثقلها في مخطط إسقاط الإنقاذ؟.. السؤال الركيزي الأهم هنا هو ما هو عش الدبابير الذي مسته الإنقاذ فحرّك كل مفاعيل هذه المتاهة!!؟. هل هي الماسونية التي يحلو لرواد نظرية المؤامرة نسبة كل شر إليها ، أم أنها حلقة أخطر من ذلك بكثير؟. وأخيرا ما هي الميكانيزمات التي إستقطب بها طرفي المركز النيلي في السودان (المركز العروبي والمركز النوبي) المكونات الأخرى في صراعهما كل ضد الآخر، وكيف إستطاع المركز النوبي دراماتيكيا هد قوة المركز العروبي وهزيمته في إطار استراتيجية السيطرة في السودان لدى أبريل ٢٠١٩ فصفّق علمانيونا جزلا بإنتصارهم على إسلاميينا وما دروا انهم قد تم التلاعب بهما معا (علمانيونا والاسلاميون) في إطار إستراتيجيات السيطرة وليس الأمر سوى صراع قوي إجتماعية صاعدة (الحلقة النوبية) تتأهب للحلول محل قوي إجتماعية متقهقرة (المركز العروبي) ، وضمن المصفقين يقف الأراجوز عمسيب الذي تعوذه الأدوات ليعلم انه يضحك في مدخل البكاء.. نواصل.
الأربعاء الثامن من يناير 2025