في زمنٍ باتت فيه المناصب تُشغل بغير أهلها، والمواقف تُشترى في سوق السياسة، يطل علينا البروفيسور مأمون حميدة، طبيبًا لا يعرف التقاعد، ووطنيًا لا يعرف الحياد. رجلٌ لو أردنا أن نُلخص سيرته في سطر لقلنا: “الوفاء عنوانه، والعمل الميداني ديدنه، والبناء رسالته.”
الأربعاء 28 مايو 2025، وبينما اجتمع مسؤولو وزارتي الصحة – الولائية والاتحادية – في مباني وزارة الصحة بولاية الخرطوم، تفاجأ الجميع بحضور هذا القامة العلمية والإنسانية: بروف مأمون حميدة، أستاذ الطب الباطني، مستشار الوزارة، ومؤسس جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا.
تحدث عن وباء الكوليرا، وعن أسبابه، وسبل مكافحته، ودعا إلى تضافر الجهود الرسمية والمجتمعية لمحاصرته، وأعلن عن جاهزية جامعته لاستئناف نشاطها الأكاديمي قريبًا من داخل قلب الخرطوم.
لكن هذا الحضور، وهذه المبادرة، ليستا غريبتين على رجلٍ حين تولى وزارة الصحة بولاية الخرطوم، لم يكن وزيرًا للخطابات ولا للمجاملات، بل كان وزيرًا للمواقف والإصلاح.
نقل الخدمة الصحية من “الخرطوم 2” إلى “أمبدة وأبو دليق”، فأنشأ مستشفيات في الأطراف، وجهّزها، وأرسل لها الاستشاريين، ورفع شعار: “المستشفى ليس مبنى، بل خدمة محترمة.”
دخل في صدامات مع البيروقراطية والمصالح المحمية، وقال عبارته الشهيرة:
*“إن أردت أن تُرضي الجميع، فلن تفعل شيئًا.”*
*ولأنه فعل، حورب. ولأنه بنى، هُدم. لكنه لم ينهزم.*
قالوا إنها “جامعة خاصة”، باسم مامون حميدة ، لكن الشهادات لمً تحمل اسمه بل وثقت باسم جامعة العلوم الطبية ، إلا ان الناس مصرين علي قول جامعة مامون حميدة في زهد يحسده الحاسدين وفي زمن يتسابق رجال الأعمال لوضع صورهم علي العطايا.
حاولو كسر شوكته زمن الحرية والتغير إلا عزيمته اكبر من نفوسهم المريضة.
واليوم الخرطوم افتقدت مستشفياتها التعليمية يوم أُحرقت، وشُرّد طلابها في زمن افتقد عطاء مأمون ، وجاء اليوم في زمن اشتد فيه المرض والطاعون ولم يهرب كما هرب الباقين ، ولأن المحن تَظهر معادن الرجال، كانت حيث كانت رواندا صفحة أخرى من كتاب وفاء هذا الرجل ومحطة في سجل عطائه الممتد.
حين اشتدّت الحرب في السودان، وضربت الخرطوم في قلبها، لم يجلس في المنفى مكتوفًا، بل حمل معه حُلمه وأمله، وسافر إلى كيغالي، وهناك فتح للطلاب نافذة أمل.
استقبلهم في غربتهم، واحتضنهم في لحظة ضياع، وهيّأ لهم قاعات الدراسة، لتواصل جامعة العلوم الطبية رسالتها من أرض أفريقية أخرى.
لم تكن تلك رحلة تجارة ولا سياحة، بل كانت رحلة وطنية تحمل رسالة:
*“إن تعطلت المدارس في الخرطوم، فلتُفتح أبوابها في كيغالي. الوطن لا يُختزل في جغرافيا واحدة.”*
حين زرته في رواندا، وجدته كما عهدته: مبتسمًا، متمسكًا بأمل الوطن، شغوفًا بالعلم، يؤمن أن التعليم ليس بناية، بل رسالة.
اليوم، في وسط الخرطوم، يعود الرجل الذي لم يخذلها، ليقول كلمته وسط الركام.
لا يريد منصبًا، لا ينتظر تقديرًا، بل يواصل ما بدأه منذ عقود: *خدمة الإنسان في كل زمان ومكان.*
*لك منا يا بروف، خالص التقدير، وجزيل الاحترام، لأنك لم تكن عابر منصب، بل ثابت مبدأ.*
*في زمن الانكسار.. كنت وما زلت منارات الوفاء.*